منشورات المدونة

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

وما حكم «الكباب» في دولة الانقلاب؟!



في سابقة هي الأسفل من نوعها أخبرني صديقي القاطن في مدينة ملوي بـ المنيا على الطريق الزراعي السريع، بكل أسى يقول: بينما عقارب الساعة تزحف نحو الثالثة صباحا، وأنا قلق لا أنام إلا بعد بزوغ الفجر خوفا من مجهول الليل، وكنت حينها أقف في شرفة منزلي المطل على الطريق السريع القاهرة أسوان، والذي يشق مدينة ملوي نصفين! ارقب عن كثب حركة السيارات وهي تغدوا مذعورة تهوي كجلمود صخر حطه السيلُ من عليّ! وتحت بيتي مطعمُ «كباب» تنبعث منه رائحة الشواء الطازج، ما يدل على أنّ صاحبه غيرُ مكترثٍ بحظر التجوال الفارض أطنابه على هدوء المدينة!

بعد برهة إذا بسيارة نقل محملة «طوب» بناء تتوقف وينزل منها شاب ريفي المنظر، يقترب من العقد الثالث، يدخل للمطعم فإذا بنادل المطعم ينادي عليه خارجه وقد أتخذ موقعا استراتيجيا يسمح له بمراقبة المكان كله، فيقترب الشاب منه ويطلبه أن يعد له عدة طلبات لحم مشوي لعدد زملائه القادمين معه بعدما يفرغوا من إفراغ الحمولة في مكان قريب، ويدس في يده مبلغا من المال، ويبدأ الرجل العمل مجددا، في الوقت الذي غابت فيه السيارة من أمام البيت!

تمر اللحظات ويأتي الشاب ومعه ثلاثة آخرون بينما السيارة تقف فارغة بعيدا وكأنها تتنهد من بعد الحمولة التي نزلت عن كاهلها! يجلس الشباب الأربعة على منضدة كبيرة ويبدأ الرجل صاحب المطعم في تضييع الوقت الذي تبقى على نضوج اللحم في تنظيم وإعداد المنضدة وترتيب الخبز والماء والملح والسلطات!
يتهامس الشباب في نشوة بعدما عوت أمعيتهم من شدة الجوع والتعب، وعلى وقع جهاز التلفاز الخافت ورائحة الشواء الذي زاد انبعاثه ما يدل على أنه على وشك النضوج راح الشباب الأربعة يتضاحكون في فرح الريفي الذي نزل إلى المدينة بينما الوقت لا يسمح بأكثر من ذلك فالوقت مازال متأخرا.

وقبل أن يأتي نادل المطعم بطلبات اللحم إذا بسيارة شرطة تأتي مسرعة لتتوقف فجأة أمام المطعم ويهبط منها ما يربو عن عشرة جنود ملثمين من قوة الداخلية ومعهم ضابط يلبس مدنيا! ويقتربوا من رهط الشباب الجائع منتظري الطعام اقتراب الذئب من الفريسة!
هنا قطع الشباب الضحكات والهمسات وساد جو من الصمت المرعب قبل أن تقطعه أصوات الجنود بالسباب المبرح، ثم بدأ الضرب الغليظ! والذي يصفه صديقي بأنه كان يشبه ضرب «منجد» بلدي لمرتبة قطنية أو مخدة! أخذ الجنود بأمر من الضابط يضربون الشباب بكل قسوة وكأنهم وقعوا في غنيمة كانوا ينتظرونها على أحر من الجمر! والشباب الأربعة يصرخون ولا من مغيث! وتعالت الصيحات ممزوجة بلعنات الشرطيين سائلين الشباب عن الذي أتى بهم في هذه الأوقات! لقد أكل الشباب «علقة» لم يكونوا يحلمون بنصفها وهم يتلمظون جوعا في انتظار وليمة الشواء التي لم يهنئوا بها، وانصرف الشرطيون بعدما أعطوهم درسا في «حب الوطن» لن ينسوه، ولم ينسوا أن يوبخوا صاحب المطعم لعدم احترامه مواعيد حظر 
التجوال! لم يمش هؤلاء الشباب في مظاهرة ولم يهتفوا ضد السيسي ولم يطالبوا بعودة الشرعية وليس مهم سلاح ولا ينتمون لجماعة محظورة وليس لهم رأي يخالف الحكومة الانقلابية! وربما لا يستمعون لقناة الجزيرة ولا يصلون في مساجد تقل عن ثمانين متر، وليس بمستبعد أنّهم يؤيدون الانقلاب العسكري! لم يقترفوا ثمة جريمة تذكر، كل ما فعلوه هو أن تصرفوا بطبيعتهم فلبوا نداء الأمعاء وأرادوا أن يعيشوا لحظات كانوا يتخيلون أنها ملكا لهم! وبكره تشوفوا مصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى كامل زلوم    

الاثنين، 9 سبتمبر 2013

انزل إلى النهر عسى أن تتطهر!



سيسألنا التاريخ، وستسألنا الأجيال القادمة! وبهذه السهولة فرطتم في مصر؟ وتركتم المساجد تُنتهك وحرمة الدين تدكها الأقدام؟!
وبهذه السهولة تركتم المصاحف تداس بالبيادات! وهرعتم إلى المسلسلات! وبهذه السهولة تركتم الحرية تغتصب على أيدي أقذر مخلوقات الأرض بل ووقفتم على بابها تستمعون لصراخ بكارتها بألم مصطنع! ألم تؤلم نخوتكم دموع الأمهات ولا عِرض البنات ولا دماء الشهيدات؟! هل تكلست الدماء في العروق أم أن ثلج الخوف قد تراكم على الصدور فغدت مجمدة لا حياة فيها؟! أين كانت نعرتك يا أبي وأين كانت شهامة أمي؟! وأخي الكبير أو الذي يريد أن يكون كذلك .. أين كانت شهامته التي جعلته يتصدى لجارنا حينما أراد أن يفتح نافذةً قبالة نافذتنا فحاربه مخافة أن تصبح حرمة بيتنا هملا مستباحا وهو الذي شاهد حرمة بلاده وهي تقتسم بين الأوغاد!
أنا حزين مكسوف يا أبي وأنا ابن عام 2015 على ما حدث في 2013 رغم أني لم أشاهده! والحمد لله أنني لم أشهده! مكسوف بالنيابة عنكم، وأشعر بالخذلان الذي استسغتموه أنتم حينها وكأن شيئا لم يكن وبرود الإنجليز في دمائكم!! أف لكم!

قل له «لا» والله ما كُنّا أبدا جُبناء ولم نكن! قل له: يا بُني لقد صمدنا في ميدان «رابعة العدوية» سابقا .. ميدان «غادة عبد الرازق» حاليا قرابة الشهرين لم يلن جنابنا أبدا! ولم نخشَ التهديدات ولا التوعدات ولا رصاص المدرعات، قابل آباؤك الرصاص بصدور عارية وبقلوب وجلة من الله فقط! .. لقد تسابقت النساء يا أبني على الموت كتسابق نسائهن على الرذيلة، وجرى شبابُنا على الموت كجريان شبابهم على بنات الخنا! لقد دكَّت الآليات الثقيلة اعتصاما سلميا أعزلَ بكل وحشية، وتترس القناصة خلف الدروع الواقية من رد الحجارة ومن قول «الله أكبر»، وتحصن ذكورهم خوفا من «حسبُنا الله» ولم نتمترس ولم نتحصن من رصاصهم المطاطي ولا الحي ولا من سجيل الخرطوش المتساقط!


وفي ميدان «النهضة» سابقا .. «سما المصري» حاليا أحرق الرجال والنساء أحياء، وداست الجرافات على الأجساد، فقرقعت العظام تحت الجنازير وتهتكت اللحوم وكأنها على «وضب» تحت عجلات الحافلات، وعلى أغنية «تسلم الأيادي» شرب القائد نخبَ اللحوم الحلال! شرب الخمر حتى بال على ورق المصحف المتناثر أمام ركام المسجد المحترق! في احتفالية كان الشيطان هو المعد وهو العتاد وهو الرائد والرواد! حتى أمست سيرتنا سيرة حرام بينما كل محرم في حرماتنا غدا حلالا، بداية من السباب بكل ساقطٍ إلى نزع حجاب العفة من على رؤوس الفتيات الصابرات المبتسمات! 


وفي ميدان «رمسيس» سابقا  «فرعون» حاليا وبالمسجد الذي كان قائما مكان «بيت ثقافة الفجالة» حاليا وكان يسمى «مسجد الفتح» حُصر الرجال والنساء داخل المسجد لم يستسلموا بينما لم ينصرهم أحدٌ لأن أحدا لم يسمع بهم! على الرغم من أن نكبتهم كانت «حصرية» ومصيبتهم كانت «فضائية» ففضل الناس متابعة المحرقة على الهواء من أن ينزلوا ليساندوا الضعفاء! إلى ظهر اليوم التالي إذ اعتلى قناص مئذنة المسجد ليضرب رصاصا على المحيطين بالمسجد ويبادله الواقفون الطلق بطلق والنار بنار، فكان من نتيجة ذلك إحراق المحتجزين داخل سيارة الترحيلات «شكرا» لهم على الثبات! بينما لم يصب أحدٌ ممن كان يطلق النار بـ «عيار» !!


ثم عوت السيارات في الأزقة والحارات تقبض على كل مسبح، لدرجة أنّ الناس غدت تسبح وهي تخفي المسبحة داخل طيات الملابس، من داخل فتحة في الثوب! فإن داهمه داهم ترك المسبحة على الأرض وداسها بقدمه وكأنه لا يعرفها ولا تعرفه، بعدما كان يا بُني يقرأ الشباب القرءان في المواصلات العامة، باتت القراءة حرام ففضل الشباب القراءة بجوار النهر، حتى إن فاجئه «مخبر» ألقى بالمصحف في الماء، ولكم طوت المياه مصاحف اختفت فيه، والكارثة لو أن المصحف طفا على صفحة الماء، فهو يومئذ جسم الجريمة، لذا وجب أن يثقله ولو بحذاء، كي يغرق في قاع النهر، فإن أردت أن تتعرف على حجم معاناتنا حينئذ فانزل لقاع النهر، ستجد فيه أسماء البلتاجي وهالة أبو شعيشع وعمار محمد بديع ونور الدين عبد الحافظ وعبد الرحمن عز وأحمد عاصم بيده كاميرا، أنزل للنهر عساك أن تتطهر!! ستخبرك المصاحف الغرقى ورفات الشهداء عن حجم العناء، ستخبرك عما كان! وكفاك من هذا الهوان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى كامل زلوم

السبت، 7 سبتمبر 2013

سما المصري وصلاح نصر .. مشوار حياة!



لم يعد في جعبة السيسي ودكاكين إعلامه سلاحا ناجعا ليتصدى به في وجه «الصداع» المستمر المسمى بقناة الجزيرة سوى أن يطلق على القناة أحدى المجندات بالجيش المصري العظيم سلاح الشئون المعنوية والعميل السري بالمخابرات العامة الراقصة سما المصري! وليس جديدا أن تستعين المخابرات المصرية بالمومسات! فتاريخ المخابرات مليء بالليالي الحمراء والملابس الداخلية والمشروبات الروحية، ولا ننسى للمخابرات المصرية أن قدمت يوما لعالم العهر وعلب الليل أكبر «قوَّاد» مر على طول الزمان كان اسمه «صلاح نصر» فصلاح نصر مدير مخابرات جمال عبد الناصر لعب أدوارا حساسة في حقبة ما قبل هزيمة النظام الناصري الحقير في يونيو 1967، لا تقل حقارة عن «الزعيم» ذاته! فكم وفق رؤوسا في الحرام، وكم ساق الفتيات الصغيرات المخطوفات «ذهنيا» إلى رجال مهمين بالدولة ليوقع بهم في براثن الفتنة وفي لعنة الخطيئة حتى يتسنى له مطاردتهم مستقبلا، حتى حول مصر إلى ماخور كبير يُضرب به المثل في عالم الرذيلة.

تروي عنه السيدة اعتماد خورشيد في مذكراتها الكثير والكثير الذي يشيب من هوله الغراب! إذ تقول: تزوجني صلاح نصر خطبةً من زوجي! لما رفضته وقلت له أنا امرأة متزوجة «وعندي عيال»، ولو لم تتركني لتقدمت ببلاغ ضدك لوزير الداخلية! فأتى بزوجي وبوزير الداخلية «فتحي رضوان» وأمرهما أن يشهدان على العقد العرفي الذي تزوجني به عنوة! - آه.
وفي موضع آخر تروي قصة «الغلاية» وهي الفيلا الخاصة بها على المريوطية والتي اغتصبها هي الأخرى ليسجن ويقتل فيها المقبوض عليهم من جماعة الإخوان المسلمين، وسبب تسميتها بـ الغلاية لأنه كان يجهز فيها محاليلا كيماوية تغلي في أواني كبيرة الحجم، ثم يلقي بها المقبوض عليهم فيذوبوا كما يذوب الملح في الماء!

أما عن تجنيد النساء وخاصة الفنانات والراقصات أمثال «المصري» فحدث وكلك حرج! كم من النجمات الزاهرات في عالم الفن والغناء -حقبة الستينيات- ذهبن بأقدامهن للفنادق والشقق الخاصة والفيلات التابعة لرئاسة الجمهورية ليقضين ليالي سوداء بين أحضان الشيطان برعاية الزعيم وكلبه، حيث كان يتم تسجيل تلك اللقاءات ليستمتع بها صلاح نصر الذي كان يعاني من الضعف الجنسي، لقد بلغ نصر مبلغا بين الزناة والبغاة وبائعي الهوى ومهيئي الخنا لم يبلغه أعتى الضالعين في هذا المضمار القذر، وكل ذلك كان تحت ستار الوطنية وخدمة الوطن وخدمة مصر! ومصر بريئة من كل هذه الأوساخ، وليست مصر بحاجة لماء المجاري كي تستحم. 

تقول أيضا السيدة خورشيد: ذهبت معه إلى «الشاليه» الخاص بالعائلة بالعجمي بالإسكندرية يوما وإذا بي أرى ويا هول ما رأيت، فتيات وفتيان في سن العشرينات يبدو عليهم جميعا أنّهم طلبة جامعة يمارسون الجنس الجماعي في صالة الشاليه أمام كاميرات فيديو ضخمة وتحت «إخراج» ضباط مخابرات كبار، فلما تفاجئت بالمنظر تراجعت للخلف خجلا مما أرى، فما كان منه إلا أن أمرني بالدخول وهو يقول: دول بس في حالة انسجام ثوري، ولما سألته ونحن عائدون ما سر هذه المجموعة الغريبة قال لي بالحرف: دي حفلات تعذيب، الفتيات منتميات لتنظيمات شيوعية والشباب منتمون لتنظيمات إسلامية، وبأمرنا يفعلون هذا كي نضع أنوفهم وأنوف ذويهم في الوحل، ونقوم بالتسجيل لهم حتى نستطيع قيادتهم وإذلالهم بكل سهولة.

اكتفي بهذا القدر من مقتبساتي من مذكرات السيدة اعتماد خورشيد، والتي جعلتني أصاب بالغثيان، واعتذر للقارئ العزيز على هذه المقتطفات ولكن كان لابد من سردها ليعلم المخدوعون في جهاز المخابرات المصري «العظيم» أو في قائد الجيش أو في مدير المخابرات العسكرية أو الشئون المعنوية أننا أمام أحط أنواع الحرب وأقذرها على الإطلاق، إذ تُطلق عاهرة مثل سما على قناة محترفة محترمة كالجزيرة فهذا لا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن صلاح نصر –وإن كان قد هلك- لازال يدير المخابرات المصرية بنفس العقلية الجنسية المنحطة والأساليب القذرة، والتي كانت من أسباب خذلان القيادة في 67، لو أن القائد المنقلب لديه الجرأة وتحت يديه المهنيين لواجه الجزيرة بما هي أهله، وليس بما هو أهله، وأهل لخادمته الحقيرة. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصطفى كامل زلوم

الخميس، 5 سبتمبر 2013

دلجا الآن بين المطرقة والسندان


عاجل| دلجا الآن: الإخوان المسلمون بقرية دلجا بالمنيا يحرقون الكنائس.
عاجل| دلجا الآن: مظاهرات حاشدة بالأسلحة تروع المارة
عاجل| دلجا الآن: الإرهابيون يجبرون قوات الجيش على التراجع.
عاجل| دلجا الآن: إغلاق مداخل ومخارج القرية من قبل الإرهابيين والمسيحيون تحت الحصار
عاجل| دلجا الآن: إحراق أقدم كنائس القرية من قبل المتشددين.

المتابع للأخبار هذه الأيام المتوترة سيمر من أمامه هذا الاسم مئات المرات في اليوم والليلة «دلجا»، وسيتفاعل مع الأحداث وكأنه يتابع أحداث «النخيلة» وعزت حنفي، أو كأنه يتابع أخبار خِطْ الصعيد! والحكاية أبسط من ذلك بكثير! فقط قرية كبيرة الحجم والعدد، تحب الله ورسوله والكتاب المبين، ترى أن الحكم بما أنزل الله من الشرع القويم، وقعت ضحية أشباه الصحفيين وأمثال المراسلين وأنصاف المثقفين، وأرباع المتعلمين وأخماس المحترمين، وأسداس المهنيين، من أصحاب مواخير الصحافة وصفر الدكاكين! وتحت وطأة حدثاء الأسنان في بلاط صاحبة الجلالة، فلعبوا بها الكرة، وضربوها أكثر من ضربة في أكثر من موضع حساس!

إنّ قرية دلجا القابعة على شط بحر الصحراء الغربي مترامي الأمواج والأطراف، والتي يبلغ تعداد سكانها ما يربُ عن المائة وعشرين ألف نسمة لم تكن يوما صانعة إرهاب أو مصدرة عنف، ربما تفاعلت مع الحدث الجلل الذي لازال يلقي بظلاله القاتمة على سماء المحروسة إلى الآن، ألا وهو الانقلاب العسكري الدموي الغاشم، والذي قام به ثلة من اللصوص! رأت بلدتي أن الذي حدث هو عين الظلم، فلم يستطع الفقراء في البلدة ابتلاع ذلك الأمر، أقول الفقراء لأن فقراء بلدتنا يتفجرون نخوة ورجولة وكرم أخلاق فضلا عن «بعض» الأغنياء فيها، ولو كان أغنياؤها -أو أكثرهم- على ذات القدر من كرم الفقراء لسدت بلدتنا نهرَ النيل بأوراق «البنك نوت» من خمس عقود مضت كانت بلدتي ولازالت فيها في الدرك الأسفل من الإهمال وسوء الخدمة، لكن شاءت إرادة الله أن يكون الأغنياء فيها كالتماسيح، متوحشون لكنهم بطيئو الحركة، والفقراء كالعصافير خفاف الحركة كرماء لكنهم لا يملكون سوى الترانيم والعزف الفريد، فجاءت من هنا المفارقة!

لقد عشقت بلدتنا العدل، وبحثت عنه كثيرا، ونشدته في كل العصور المتعاقبة عليها، وبين طيات الأيام المتوالية من فاروق إلى مبارك، لكن ومع كل عصر جاء، كانت البلدة تنحدر أكثر وأكثر، وكان السبب أن الطريق إلى الحاكم كان بعيدا جدا، يشبه المسافة التي تفصل الأرض عن المريخ، وجاء الرئيس محمد مرسي، فشعرت البلدة ولأول مرة أن الطريق إلى هذا الحاكم أقرب إليها من طريقها إلى نقطة الشرطة الواقعة على أول البلد، رأت فيه الرجل الصالح، الرئيس الذي يقابل ذوي الحاجات داخل المسجد، فكانت من هنا نقطة التلاقي، وحدث العشق المبالغ فيه بينها وبين الرجل الطيب، على الرغم أنها في فترة حكمه زاد فيها الإهمال، وتردت أكثر من ذي قبل، ووقعت فريسة لأنياب الفلول، والذين عاقبوها على وقفتها أيام الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فصدروا لها المشاكل والأزمات، فكان أطول طابور على محطة «السولار» حكرا على قرية دلجا، إذ كان يبلغ طوله في بعض الأيام اثنين كيلو متر، ثم كانت مشكلة الغاز، إذ بلغت «الأنبوبة» فيها مائة جنيه، ثم كانت مشكلة الخبز، إذ كان الخبز فيها تأنفه البهائم، ثم كانت مشكلة الوحدات الصحية، وفيها وحدتان صحيتان لا يضارعان «عربخانة» لعلاج الحمير! ثم كانت مشكلة المستشفى القروي، وفيها مستشفى يا سادة، لا تصلح إلا لتكون سجنا لعتاة المجرمين، تدخلها صحيحا معافى، وبمجرد مرورك على دورة المياه فقط، وتصافح عيناك ما برز وما سال من وحولها (...) إلا وتصاب بحالة غثيان ربما تقضي على ما تبقى لديك من أمل، ثم كانت مشكلة الثأر، والتي أخفقت فيها الداخلية والعدل إخفاقا غير مُبرر وسقوطا أخلاقيا ومهنيا غير وارد، ثم كانت مشكلة المواصلات، وهذه وحدها تحتاج لمجلد، إن قلت فقط أن القرية الكبيرة المترامية الأطراف لا يوجد فيها إلى الآن مواصلات عامة ومن عام 1990 تقريبا، وكل الاعتماد على المواصلات الخاصة وسيارات النقل، لدرجة أن سائقي البلدة يطلقون لفظ «حَمَّل – حَمَلت» بدلا من «ركبت» وكأن أهل القرية صناديقَ وأجولة أو كائنات حية شبه ميتة! 

كل هذه المشاكل الجديدة أو التي لها جذور من الماضي السحيق كانت حاضرة في المشهد الثوري، فكانت المفارقات والتي صنعت المعجزات.
توافد أهل البلدة بالمئات على اعتصام رابعة والنهضة، لما رأوه من زاوية المظلومين، وبعين المقهورين، خاصة بعد مجزرة الحرس الجمهوري، وبعدما تبين للعالمين نية المنقلبين، فكانت النخوة التي تعرضت إليها في بادئ المقال، نفرَ الفقراء، ونفرٌ من الأغنياء، ودارت العجلة ذهابا وإيابا حتى تصدرت اللافتات «الدلجية» مدخل رابعة العدوية من ناحية شارع الطيران، وحتى تكلم عنها المجاهد الدكتور «صفوت حجازي» من على منصة رابعة شاكرا إياها في اقتضاب، وملئت صور الرواد صفحات التواصل الاجتماعي وفيديوهات الانترنت، حتى اليوم الأسود! فكان الرد عنيفا من بعض الناس، كان الرد على قدر معشار الحدث، ولم يتقدم مسيرة العنف واحدٌ ممن ينتمون للتيارات الإسلامية أبدا، بل تقدم المشهد بعضٌ من الاندفاعيين، وقليلٌ من النفعيين، فاندس النفعيون داخل المندفعين فكانت الكارثة، لكن أصحاب الدين لم ولن يرضون بذلك أبدا، وعلى العكس، خرجت خطبة الجمعة التالية في أغلب المساجد وبدون ترتيب مسبق، تستهجن ذلك الفعل، للدرجة التي جعلت بعض الأشقياء «الأغبياء» الذين وقعوا تحت مؤثر الثأر من النصارى يسترجع مواقفه ويُرجع ما أخذه من نصراني غني إلى بيت أخته لما وجد بيته قد سلب منه وطرد خارج القرية، هذا موقف لأحد البسطاء من أهل القرية، فما بال المتعلمين والمثقفين والمتدينين والذين تعج بهم القرية؟!
   
نأتي إلى دور الإعلام، ويا له من دور قذر، لقد مرت ولازالت وأنَّت ولا زالت، وبكت ولازالت، وافتقرت ولازالت واشتكت ولازالت قريتنا من كم المصائب والبلايا والمشاكل والأزمات على مر خمسين عاما مضت، ولم نرَ يوما مراسلا لجريدة صفراء كتلك التي تكتب الآن عنها، لم نرَ يوما كاميرا حقيرة بدائية بين يدي مصور «أحول» يصور القمامة التي تملأ مداخل ومخارج ومنتديات القرية وساحاتها الرئيسة، لم نسمع كلمة من مقدم برامج أو صاحب قناة أو محلل سياسي أو خالي شغل حتى، ينصف فيها بلدتنا، وكأننا خارج نطاق الزمان، أو كأننا لازلنا في القرن الثامن عشر الميلادي بينما باقي الجمهورية المصرية في القرن الواحد والعشرين! لم يجر باحثٌ بحثا عنها يوما ما، حتى الذين خرجوا منها من أبنائها مع الأسف خرجوا عليها وتنكروا لها ولم نرَ منهم خدمة تذكر إلا أولئك المرتزقة من مرشحي الحزب الوطني «المُنحل» أو ممن كانوا يحلمون به، ففي قريتنا رجلٌ كان يستطيع أن يعين الشباب العاطل فلما هم بالتعيينات -لمآرب عنده- انتقى أصحاب الطين والأعمال والضياع والحقول من علية القوم فقط، أما من عينهم من الفقراء فكانوا ممن تطول يده أعناقهم حتى يجدهم في ساعة عسرة، أما لوجه الله والبلدة فلم نرَ، أما عن المرشحين فحدث وتقيأ دما، كنا نعامل بمبدأ الجزرة والعصا، تعطيني صوتك تأكل جزرا، لا تعطين صوتك تأخذ عصاة على مؤخرتك، فكان تلفيق التهم وإجبار البعض على الإتيان بالسلاح الغير مرخص ليقدم لرؤساء المباحث ليأخذوا الترقيات، ويأخذ من قدمه بالحذاء على أم رأسه، فضلا عن ما كان يطلقون عليه «مواعيد» مجازا وهو ما يُتعارف عليه بـ «قعدات الصلح العرفية» إذ كانت الداخلية تفرض علينا عتاة المجرمين ليكونوا حكاما لنا أو علينا، والويل والثبور وعظائم الأمور لو خالفنا القضاء، فهو ليس بالقضاء، لكنه والله القضاء والقدر، كان الفقير يرجم بالقباقيب، وأصحاب «العباءات الحمر» يفسّح لهم في المجالس، لدرجة أن الحكام كانوا يأخذون رأي الخصم في القضية إن كان ممن يمتلك عباءة حمراء .. ويا له من خزي! إذ كانت تقدم الهدايا والعطايا من هواتف نقالة ومسدسات غير مرخصة للحكام الحاكمين ليحكموا بين العتاة المساكين!
  
هذه بلدتنا دلجا، والتي وقعت هذه الأيام بين المطرقة والسندان، مطرقة الإعلام القذر والذي يبحث عن شرارة فتنة فيزكيها، وسندان بعض الشباب من أبنائها الذين أعجبتهم لعبة المسيرات وأحجية المنصات وأغراهم «فلاش» الكاميرات فساقوا يكذبون على أنفسهم ويدعون ما ليس لهم ويصرحون بما يحلمون ويكذبون بما يأملون، فترى كل يوم كذبة جديدة في موقع جديد، مرة الجيش يعجز عن دخول القرية، ومرة دلجا تعلن الاستقلال عن الجمهورية، ومرة محمد البلتاجي يختبئ فيها ومرة عاصم عبد الماجد يسرح فيها، وكل هذا ليس له أساس من الصحة، فبلدتنا الأبية كما أخرجت رجالا عظما أخرجت أيضا شبابا سفهاء، مقلدين إلى أبعد حد، فلو تجولت في البلدة ليلة خميس ورأيت الأفراح مثلا وطريقة التفريح، لظننت نفسك في شوارع حلوان أو المعصرة أو مساكن عين شمس أو الكنيسة، حتى طريقة الكلام وطريقة العربدة ورائحة «البانجو» المنبعثة من كل مكان، ولو رأيت كم السلاح المستعمل في الأفراح لظننت نفسك في «جهينة» أو بني حسين الجسر أو المعابدة أو النخيلة أو دراو أو «نزلة عبد اللا» والبركة في الجينات الصينية عند بعض شبابنا، الجينات التي تجعلنا دائما مقلدين لسنا مؤثرين أو مُقلدين، هذه من السلبيات والتي كان من الواجب ذكرها حتى لا يتخيل القارئ أنني أتكلم عن «سبأ» بلدة طيبة ورب غفور.

وفي نهاية المطاف، بلدتنا دلجا هي شريحة مصغرة من بلدنا مصر، المسلمون فيها بسطاء، وسطاء، يحبون الصالحين وليسوا منهم على الغالب الأعم، فتراه يرفع صوت التسجيل بالقرءان الكريم للشيخ بعد الباسط عبد الصمد، ثم يتلو ذلك أغنية لعبد الحليم حافظ، يذهب لأداء صلاة العشاء في جماعة، ثم يأتي البيت ليتابع المسلسل العربي قديما والتركي حديثا، أولاد بلدتنا زبائن على الصيدليات ليلة الخميس، وزبائن على الجزارين المعتبرين يوم السبت، وزبائن على المحلات الفارهة في المدن الكبرى، ويحرصون على بناء مقاربهم وهم أحياء لعدم ثقتهم في من يحكمونهم أن يوفروا لهم مرقدا بعد الممات، وهم يحبون بلدهم وبلدتهم ويحبون دينهم، ويحبون المساجد، ويمازحون النصارى، ويعاملونهم في البيع والشراء والأخذ والعطاء، ولا يوجد شيء على غير العادة، اسأل الله لها الأمن والأمان، واسأل الله أن ينجيها من براثن الكذابين والمتقولين أنه ولي ذلك والقادر عليه. آمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى زلوم 


بعض الصور من واقع القرية الأليم، بدون رتوش ولا تزيين











الاثنين، 3 يونيو 2013

أعباط بلا قيود




شباب جمعية «أعباط بلا قيود» التابعة للكنيسة الأرثوذكسية تدعو لوقفة احتجاجية أمام السفارة الإثيوبية للتنديد بما أقدمت عليه إثيوبيا بشأن السد المزمع إقامته على النيل الأزرق! إلى هنا والخبر يوحي بأن الفعل جيد ووطني ويرجى من وراءه الخير، لكن مقابلة مع أحد المنظمين وهو شاب «عبطي» سخيف لا أعرف أسمه ولا أحب أن أعرف، يقول: جئنا لنقول للحكومة الإثيوبية إنَّ أي اتفاق ستجريه مع الحكومة «الإخوانية» لا يمثل الشعب المصري!
قمة السخافة والانحطاط الخلقي، أن تنشق الجبهة الداخلية خلف القيادة السياسية، وأن تجعل ظهرها عرضةً لأي ضربة استباقية غادرة، قمة الخيانة أن تستغل المعارضة الحدث الجلل والظرف الطارئ لتصفية حساباتها وتسييس الأمور بحسب هواها.
ثم إنَّ الكنيسة التي يرفع هذا «الشهم» لوائها ضالعةٌ في المخطط النذل، الكنيسة الأرثوذكسية المصرية لديها نفوذ قوي جدا داخل أروقة اتخاذ القرار الإثيوبي لا يضارعه نفوذ سوى نفوذ الدولة اللقيطة الصهيونية والمد «الأنجلوأمركي» ولو أرادت الكنيسة المصرية الضغط لصالح مصر لفعلت! لكنها المنافع والمصالح والمكايد والحقد الدفين الذي تنتهجه الكنيسة الأرثوذكسية «التوضوسية» الحاقدة.
ولا أستبعد أن يكون المخطط «صهيوني، أرثوذكسي، أمريكي، إماراتي، سعودي، دحلاني، ساويرسي، فلولي، إعلامي، خائن» للانقضاض على الحكومة والرئيس والتيار المُنتخب والذي سيُنتخب بإذن الله وبعز عزيز أو بذل ذليل!
    ثم إنّ الشعب المصري لم يعطك صكا بالتحدث بالنيابة عنه! فلماذا تتكلم باسم الشعب؟! لماذا تظهر أمام العالم أنّ الشعب المصري جُله خائن ولا يساند حكومته؟! إن كانت الخيانة طقسٌ من طقوس التعبد لديك ولدى كنيستك فإن ديننا يحضنا على الوفاء والتوحد والوقوف صفا واحدا كالبنيان المرصوص! إن كان كتابك «الغير مقدس» يأمرك بالخيانة، ويحضك على الغدر، ويضرب لك المثل والرمز في الضرب تحت الحزام، فإن ديننا وكتابنا «المقدس» يأمرنا بأن نأتي عدونا من الأمام ورمزنا ومثالنا لم يكن يوما همّازا ولا لمّازا ولا بذيء، بل لم تكن له خائنة الأعين «صلى الله عليه وسلم».


فلا تتحدث باسم شعبٍ أغلبيته الكاسحة الغالبة بإذن الله مسلمة خالصة ليست بالغادرة أو الكاذبة أو المنافقة! وإن كنت تبحث عن مصلحة بلادك فابدأ من كنيستك أولا! 

الأحد، 19 مايو 2013

ولازال الكذب مستمرا


الشيخ ياسر مع النصراني هاني رمزي

الشيخ المثير للجدل ياسر برهامي والذي يدهشنا كل حين بعمل غريب، لم يدهشنِ هذه المرة بجلوسه وتسجيله حلقةً مع هاني رمزي الصليبي المعادي للتيار الإسلامي بل المعادي للدين الإسلامي كله.

فهاني رمزي وإن كان يُظهر أنه ضد نظام الحكم، شأنه شأن كل المعارضين للحاكم! فإن تاريخه يعكس شيئا آخرا، فتاريخ هاني رمزي يقول: أن هذا الممثل القذر كان وراء فتنة الإسكندرية واقعة «محرم بك» عام 2005 والتي ترتب عليها تفجير كنيسة القديسين ومقتل السيد بلال رحمه الله، حينما عرض على مسرح الكنيسة المذكورة مسرحية تسيء للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وتجمهر المسلمون أمام الكنيسة منددين بالفعل القميء من جانب الكنيسة والفعل الفاضح من جانب الممثل، وعلى إثرها تم القبض على سيد بلال رحمه الله، بعد تفجير الكنيسة من طرف وزير الداخلية «حبيب العادلي» حينها، وإلصاقها بالسلفيين، ثم فتح الأمن زنازينه للمظلومين من كل الأطياف، سلفيين وإخوان وجماعات إسلامية، ومات سيد تحت التعذيب، ثم أمر أهله بالمجيء لاستلام الجثة، فرفض الأهلُ لما رأوا آثارَ التعذيبٍ على جسده وكان معهم الشيخ ياسر برهامي، والذي قال رأيه بأن الرجل قد عُذب حتى الموت، كانت نظرة ياسر برهامي ليست نظرة شيخ أو معترض أو رجل تخطى الستين فحسبٍ، ولكنها نظرة طبيب درس الطب ومارسه ولا يزال.

وفي المحكمة رفض الشيخ الدكتور الطبيب ياسر برهامي أن يدلي بشهادته أمام القاضي، وأن يقول رأيه فيما رأى، واختصمه أهل سيد وإن لم يكن أمام قاض الأرض فأمام قاض السماء.

كل هذا حدث أمام الشيخ الدكتور ياسر برهامي، وهو بكامل عقله وإدراكه، لا يغيب عنه حدث من الأحداث، ولو فصَّل الشيخ بلا تدليس أو كذب لقص الأقاصيص، كشاهد عيان حضر وعاين، فهل يا شيخ ياسر لم تكن تعرف أن الممثل النصراني الصليبي المتعصب هاني رمزي هو مقدم برنامج «الليلة مع هاني»؟! أم أنه الكذب لازلت تمارسه علينا، خاصة وأنك ما شاء الله وراؤك جيش جرار من «الهلافيت» المغيبين يحلون لك الحرام ويزينون لك الباطل.

يا دكتور ياسر لن تغني عنك خصومتك مع الإخوان من الله شيء، ولن يدافع عنك أحدٌ من «هلافيتك» أمام الله! ولن ينبري جرذٌ من جرذانك ليُحاسب دونك، وليس لك من الله من عاصم.
يا شيخ ياسر إن كنت قد ضُللت -وإني أرى خرافة هذه الرواية- فتخلص ممن ضللك! فإنه لا يحبك، بل والله -إن كان كذلك- فهو يبغضك بغض إبليس لآدام.
يا شيخ ياسر لا تستعمل المبدأ القائل عدو عدوي صديقي! فهاني ليس عدوا للإخوان –إن كنت تعتبرهم أعداءك- إنما هو عدو لله ورسوله والمؤمنين ولدين الله الذي تدين به!

وإن كنت قد بدأتُ حديثي بإعلان عدم الدهشة مما يفعل أو فعل الشيخ ياسر، فإني أختتمه بدهشتي مما يفعله «صبيانه» من تبرير الخطأ وتزيين الباطل، والدهشة تكون أشد إن رأيتهم يتهمون الإخوان بالتبعية والمولاة والتبرير!
  وأخيرا شيخنا، ننتظر لقاءاتٍ لكَ باتت وشيكة ولابد منها مع كل من:
 باسم يوسف وأحمد آدم وتوفيق عكاشة و.. «سما المصري»، فهم أيضا أعداء أعدائك فاعتبرهم أصدقاءك.


• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا.
• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.




الخميس، 16 مايو 2013

حمدين للأرقام القياسية!


الحملة الانتخابية للمناضل حمدين


كل شيء زمان كان فيه بركة، فمن الأساطير التي رويت لنا عن الجنيه الذي كان يفعل الأفاعيل، من شراء لاستئجار لزواج لطلاق لعتاق، .. إلخ، تبرز أسطورة الـ 7000 جنيه «الحمدانين»، أي التي يمتلكها المرشح الخاسر السيد «حمدين صباحي».
فمنذ أن أعلن الرجل عن خوضه الانتخابات الرئاسية، وكشف عن ذمته المالية، والتي كانت تحوي سبعة ألاف جنيه مصري، وإلى يومنا هذا وهي لا تزال بأحسن حال.

وخاض حمدين الانتخابات الرئاسية «من الـ 7000» وما تخلل ذلك من دعاية مجنونة من سُرادقات ومقابلات فضائية ورحلات مكوكية داخل مصر إلى كافة أرجاء البلاد «من الـ 7000»، ثم شاب ذلك سفريات إلى خارج الوطن للقاء المصريين المغتربين وعقد مؤتمرات جماهيرية حاشدة في كافة العواصم التي يتواجد فيها مصريون، «من الـ 7000» ثم كان اللقاء الحاسم يوما الاقتراع وما كان فيهما من مصاريف باهظة لتغطية الحملة على مستوى الجمهورية من تنقلات لمكالمات هاتفية لإنترنت .. إلخ، «من الـ 7000»

وظهرت النتيجة وكانت الجولة التالية بين المرشحين، محمد مرسي والهارب - أحمد شفيق، وركن حمدين بجوار الجدار، قلنا حينها أن الرجل سوف يصمت، خاصة وأن الـ 7000 جنيه المذكورة رُبما على وشك النفاذ، أو ربما نفذت وهو الآن ينفق ويتعايش على الجمعيات التي تشترك فيها زوجته مع جارتها، أو من «حصَّالة» سلمى أو دفتر توفير أخيها الصغير، لكن هيهات، كانت الخزينة الحمدانية لا تزال بخير، ولا زالت البركة تحط وتخيم بجناحيها على الـ 7000 جنيه، فطار حمدين إلى لبنان وإلى إيران وأخيرا إلى تونس وكل هذا «من الـ 7000»، ثم دشَّن التيار الثالث، والتيار الشعبي، ثم جبهة الإنقاذ، «من الـ 7000».

حتى ضربت هذه السبعة ألاف جنيه أو «ملطوش» كما يقول المصريون المتضجرون الرقم القياسي في سد الحاجة وتغطية النفقات، ما يجعلها تستحق أن تدخل موسوعة «جينز» للأرقام القياسية!
ثم تنتقل الـ 7000 جنيه من مرحلة اللامعقول أو الحالة الخارقة، والتي من الممكن أن تحدث برغم نُدرة حدوثها وانعدام تواترها إلى حالة الإعجاز، أو ما يطلقون عليه حالة «الميتافيزيكال» بعدما استطاعت تلك الـ 7000 جنيه أن تغطي سداد مبلغ واحد وثلاثين مليون أي ثلاثة وواحد وأمامهما ستة أصفار، قيمة ما تصالح عليه الأخ المناضل حمدين مع المغفلين عبر الإنترنت والمنصوب عليهم إلكترونيا بواسطة «المحروسة» بنت المناضل الرفيق حمدين الكريمة سلمى، طبعا هذا قطرٌ من فيضٍ، فيضُ الـ مائتين وخمسين مليونا قيمة إجمالي المبلغ المطلوب من السيدة سلمى وزملائها النصابين.

وكما أني أصدق هذه الأسطورة، وان هناك سبعة ألاف جنيه تستطيع سد كل هذه النفقات، أصدق أيضا أن حمدين صباحي مناضل شريف، واشتراكي مُتقشف، ينام على أنين الكادحين ويصحو على صرخات المعذبين، وأن ظهره قد تشقق من النوم وسط الشغالة والعمال على الأرصفة، وأصدق أيضا بأن البنت سلمى مُغررٌ بها وأنها كانت فقط تحاول أن تتقمص دور «مارتن لورنس» في قصص «أرسين لوبين» أو «اللص الظريف» والتي انبثقت عنها كل القصص والأساطير مثل أدهم الشرقاوي أو اللص الشريف الذي يسرق من الأغنياء الجشعين ويعطي للفقراء الكادحين! 

كل ذلك أصدقه عن طيب خاطر، فالرجل لم نرَ عليه كذبا قبل ذلك حتى نكذبه، حتى لمّا خرج علينا بسيارته الـ«Hummer» والتي يبلغ ثمنها حوالي مليون ونصف المليون كان صادقا، فربما هذه السيارة وثمنها كانا خارج حساب الـ 7000 جنيه المباركة، وأكبر دليل على ذلك أن الفتاة الجميلة سلمى كانت تعمل مذيعة لدى الأخ الفل محمد أبو العنين في قناته المسماة بـ «صدى البلد» مثلا، وبراتب «رمزي» قالوا بأنه خمسة وثلاثون ألف جنيه في الشهر فقط! وقبلها كانت «تغني» في أحدى الفرق الشبابية، أرأيتم كفاحا أكثر من ذلك؟! إنها قصة كفاح لا تقل ندرة عن قصة الـ 7000 جنيه محل النقاش، ولذلك أرى أن هذه العائلة كاملة تستحق أن تدخل موسوعة جينز للأرقام القياسية قسم حمدين صباحي مركز «البُرلس» محافظة كفر الشيخ. 

بقلم - مصطفى كامل زلوم

الأحد، 12 مايو 2013

يا حضرت العمدة ..

الأستاذ محمد العمدة


الأستاذ محمد العمدة المحامي الصعيدي الحر، أرق تحياتي لحضرتك.
بالنسبة سيادتك لبرنامجك الطيب «دوَّار العمدة» فهو برنامج رائع بكل المقاييس الإعلامية أو الثورية أو الإنسانية، لكن يا أستاذنا وأنت جالس وسط «بلاليصك» الرائعة رجاءً لا تتطرق للعلاقة بين النصارى والمسلمين في مصر من منظور عقدي أو ديني! فعدئذ أرى فخامتك «تهرتل» هرتلةً لا مثيل لها، إلا التي هرتلها من قبلك أديب الشذوذ المدعو «علاء الأسواني» إذ قال بأنَّ البابا «الهالك» شنودة بعد أن «نفق» قال عنه: يجلس على أريكة داخل باب الجنة يفتح للوافدين عليه، فقد فتح الباب لـ «مينا دانيال»، ثم فتح لـ «عماد عفت» .. إلخ! 
وكأن الجنة قد صارت غرفة مظلمة تحت «بير السلم» يجتمع فيها المناضلون سرًا، منتهى التفاهة وخيبة الأمل، فلا تكن يا أخ عمدة ظهيرا للمشركين.

الأستاذ العمدة «نازل» شكر وتقدير في الباباوات والقساوسة وعلى رأسهم أسقوف الشباب المسمى بـ موسى، الرجل العنصري 100% والذي يدعو دائما للفرقة والعصبية!
ثم يتطرق فضيلة الأستاذ «جناب» العمدة إلى آي الذكر الحكيم ليستقي منه مواضع الحض على إكرام أهل الكتاب، ثم ينتقل بخفة الفراشة إلى مواضع في كتاب الكنيسة المسمى كذبا بالإنجيل ويتلو منه بعض الكلمات ثم يقول: هذه هي تعاليم السيد المسيح «عليه السلام» وهذا محض ليس افتراء، لكنه محض غباء، فليس الكلام المُبعثر داخل ذانك الكتاب بكلام أو تعاليم السيد المسيح عليه السلام، والدليل أنك ذيلته بقول الكتاب الكاذب «ذلك ليرضى عنكم أباكم الذي في السماء» فهل يا أستاذنا السيد المسيح صلى الله عليه وسلم جاء برسالة بابوية؟ وهل دعا لعبادة إله أم عبادة «أب» في السماء؟!

أما عن علاقتك أنت الشخصية بالنصارى، ومدى رضاك عنهم وعن أخيك في الرضاعة «النصراني» أو أمك من الرضاعة «النصرانية» فذلك متروك لك ولمدى ودرجة إيمانك، ومتروك لعقيدة الولاء والبراء لديك، والتي أغلب الظن أنك لم تسمع بها من قبل! فلو أنك سمعت بها يا أستاذ ما قلت عنهم «مسيحيين» فهم ليسوا بمسيحيين، بل هم نصارى «مع الإكرام» أما إن أخذنا برأي القرءان الكريم، وذلك هو الأفضل بالتأكيد، فهم كافرون بشهادة الله ورسوله والملائكة الكرام وأئمة المسلمين وعامتهم.

كافرون يا أستاذ عمدة هداك الله وغفر لك، ففضلا لا أمرا حاول أن تتلمذ على يد طالب في الفرقة الأولى بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أو على يد طالب علم لم يُمض شهرا خلف شيخٍ من المشايخ! أو استمع إلى «ربع ساعة» من شريط لأي داعٍ من الدعاة الأكارم قبل الظهور على الهواء، حتى لا يكون هذا الهُراء! ولله الأمر من قبل ومن بعد. 

مصطفى كامل زلوم

الشيخ والكلاب!




د. ياسر برهامي

اعتاد الشيخُ الجليل، أو الذي كان كذلك يوما، أن يوكل غيره بالهجوم على خصومه، كمن يغري كلبا بعظمة كي يعضَّ، ثم يعطيه العظمة! أو لا يعطيه فكلاهما سيَّان عند الشيخ، لكن الأمر سيختلف هذه المرة، فكلب المرحلة الراهنة يختلف كثيرا عن كلاب الأمس!

فضيلة الشيخ «الذي كان» محترما وموقرا وخلوقا، أطلق كلبَهُ على الرئيس المُنتخب في الجريدة التي كانت يوما من جرائد المصريين وكانت يوما لسانُ كل المصريين، بل كان «المصريون» جميعا يصافحونها قبل أن يتصفحونها كل صباح!
ومهما كان تاريخك يا شيخنا فلن يشفع لك «جمال» صوتك عن سوء خلقك!
ولا «سلطان» لك على قلوبنا إن أبغضناك في الله، فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

في الأمس القريب، كان «نادرا» أن نسمع لك رأيا في السياسة، بل كنت تهرب من هذه المسئولية تماما، ولم يكن لك أدنى مانع في أن تبايع المخلوع على الحكم مدى الحياة، ولا تنسَ أنَّكَ كنت على رأس جيش المنافقين الذين أفتوا بحرمة الخروج على رأس الظلم وعنوانه!
أما الآن فغدوت «بكَّارا» بالآراء ما شاء الله! وقبل أن يُطلب منك ذلك، ويكأنهُ لن تكون دولةً بدون رأيك وتصريحك!

يا شيخنا كن راسخا على الحق، ودع المهادنة جنبا، فذلك والله «أشرف» لك ولمن حولك، أن تكون «ثابتا» على مبدأ، بدلا من أن تصبح هكذا، ضيفا صفيقا أنت وصبيانك على قنوات التفسٌّخ والتردي، القنواتُ التي كنت محاربا لها ولما تقدم! فكيف لك أن تصبح إعلانا من إعلاناتها، ويتخلل حديثك فترات الفواصل، فتخرج عقب قولك فتاة تتقصع وتتلوى وتتبحتر وتتبختر كي تعلن عن «فوط» تستعملها النساء «دائما» في حالاتها الأكثر خصوصية!

أتكون الشهوة للحكم كذلك؟! أم أنها شهوة أخرى! أم أنها عقدةُ الإخوان قد أصابتك وصبيناك وأطفالك! أن تخرج علينا بعباءة «نصف كُم» حاسر الرأس، تحدثنا عن خطر الإخوان القادم، والسيل العارم، والذي سيحرق كل أخضر ويابس للدعوة المزعومة! الدعوة التي خرجت لـ «شج الظهر»! إن كان مُصطلح «شق الصف» يصيبكم بالسعال فلنستبدله!

أخطاؤك ستبدو لك يوما، وستقرأ كتابك بدون تُرجمان، فهل أنت راضٍ عن صحيفتك؟! لا أقصد بصحيفتك التي وظَّفتها للنيل من شرف الرجال! لا بل أقصدُ الصحيفة الأخرى الآخرة، هل راضٍ كل الرضا عنها؟!
هل راضٍ أنت عن إيعازك للإخوان واقتراحك عليهم بـ «لابدية» ترشيح الشاطر، كي تضرب عصفورين بحجر واحد، تضع للشيخ حازم حجر عثرة في طريقه، وتجد الفرصة التي تنقضَّ من خلالها على الإخوان مخازيا إياهم بأنَّهم ليسوا أهلا للوعود الصادقة، فكان ما أردت ولما أعلنوا عن ذلك نكصت على عقبيك ولك «ضراط» وقلت: «مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» فضربت حازما وشاطرا وجماعة؟

هل أنت راضٍ عن تصويتك للمرشح «سليم العوا» بادئ ذي بدء برغم أنَّهُ المرشحَ الوحيد بين الإسلاميين الذي أعلن صراحةً عن دعمه للتجارة البينية مع إيران! والتقارب السياحي والاقتصادي مع دولة المجوس؟
ثم إعلانك بعدها عن دعمك وحزبك وصوتك ورَجْلِكَ لعبد المُنعم أبو الفتوح، الرجل الذي لم يعد أحدا بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل ووعد الليبراليين بمزيد من التحرر، بل وأعلن عن استحسانه للمعازف والأغاني والمُجون! الرجل الذي ثبُتَ كذبه أكثر من مرة، هل أنت راضٍ عن كل هذا؟!

ثم هل أنت راضٍ عن «أحمد شفيق» لن أقول هذه المرة عن تأييدهِ سرًا، والكذب جهرا، ثم ظهور الحق على لسانه والكذب على لسانك!
 وهل أنت راضٍ عن رجالات جبهة الإنقاذ؟! هل أنت راض عن حمدين الناصري؟ وعمرو موسى الليبرالي المخمور؟ والبرادعي العميل المأجور، صاحب السقطات القاتلة؟! والتي لو ذكرتها لما كفاني مُجلد!!
ثم هل «صدقا» وحقا أنت ضد التشيع؟ أم ضد النجاح! وهل أنت ضد القرض ألربوي المزعوم! أم ضد الهيمنة أم ضد الأخونة؟!
 وإن كانت أخونة كما تقول ويصرح صبيانك فمن أين أتيت بتلك الكشوف التي سطَّر فيها أسماء الإخوان، وهم لا قوائم «كانت» لهم ولا بطاقات «كانت» لهم قبل بزوغ نجم الحزب اليافع «الحرية والعدالة» من أين جئت به وأنت الذي كنت شيخا تلزم المسجد ولم يكن لك أي نشاطٍ يُذكر؟! هل كان هناك «أمن دولة» يعمل داخل المسجد يأتي لك بهذه البيانات؟! الله أعلم.

يا شيخنا بالله عليك، هل ترضيك نفسك، وهل أنت راضٍ عنه؟! هذا الذي هو أنت؟!

مصطفى كامل زلوم

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

لقد وقعنا في الفخ!



الخديعة الكبرى والحلقة الأخيرة منها هي ما نشهدها هذه الأيام، والتي اشترك فيها المخادع الأكبر والمخلوع الأمثل مبارك.
لقد استغلت أبواق الإعلام المأجورة لن أقول سقطة أو ذلة أو نافذة أو ثغرة في الدستور، ولكنها استغلت وبلغة الفقهاء "رخصة" كالصائم الذي يُريد الإفطار في نهار رمضان فيفطر في سفر ناعم مكيف آخر أبَّهة من أجل استعمال الرخصة والسلام! أو يُفطر إن أصابته أنفلونزا عادية، وكلها رخص.
الدستور ينص على أنّ المواطن لا يجوز احتجازه أكثر من شهرين على ذمة التحقيق في قضية ما، والمخلوع محتجز منذ عامين، والقضية السابقة تعتبر ملغاة! إذن هو الآن أمام الدستور محتجز منذ عامين على ذمة قضية تنظر منذ يومين!
فتم الإفراج عنه، لكن هذا لا يعني أنه سوف يعود إلى بيته راكبا "حنطور" وأمامه فرقة حسب الله! كلا بل سيستمر على ذمة قضية أو قضايا أخرى كثيرة.
الإعلام استخدم هذه الورقة كأداة تشهير بالرئيس مرسي وبالإخوان، ولها عدة فوائد منها
إظهار الرئيس مرسي بين خيارين لا ثالث لهما، إما أنه مُتآمر مع المخلوع لإخراجه، أو أنه يدير دولة فاسدة وهو لا حيلة له، إذن فاشل أو ضعيف، المُتآمرون يرون الأول، والثوار الحقيقيون سيرون الثاني، وفي كلتا الحالتين سينفجر الموقف في الشارع، وأي انفجار في الشارع سيخدم الثورة المضادة، إذ أنهم قوم يجيدون التعامل مع الزحام وترجمة الموقف بالمولتوف وتحريك الرأي العام إلى حيث يريدون ملتحفين بإعلام أقل ما يُوصف به أنه خسيس.
والمخلوع في كل الحالات لن يصيبه أكثر مما أصابه، ففي أسوء الحالات لو حُكم عليه بالإعدام فلن يُعدم نظرا لسنه، وسيودع السجن مرة أخرى، وفي هذه الحالة ليس بالإمكان أبدع مما كان، وهذا سيعتبره تحصيل حاصل فهو سجين بالفعل. أما لو نجح "ثواره" في ركوب موجة الغضب الجديدة فبالتأكيد سيحولون الدفة لصالح قضيتهم وعندها سيسقطون الرئيس تآمريا وسيبدو هذا شعبيا.
المخلوع يكافح لآخر لحظة في حياته مع تأكده من أن موقفه غير مطمئن، لكنه نجح في إيصال رسالة مشفرة للشعب الذي دأب على حل الكلمات المتقاطعة على صفحات الجرائد منذ خمسين عاما. 
هدوء يا سادة الموضوع أتفه مما تتصورون ولن يرى المخلوع النور مرة أخرى، اللهم إلا حزب النور فهذا جائز.
ومع الأسف سقط الإعلام الإسلامي الرصين في هذا الفخ، وتبنى الدعوة لمليونية أو مظاهرات أو تظاهرة كبرى الجمعة القادمة، وعلى الطرف الثاني أسراب الذباب الأسود المسمى بالبلاك بلوك تحشد لذات اليوم، والله غالبٌ على أمره.
لا شك ولا مرية في أن القضاء المصري من أفسد المؤسسات الموجودة في مصر الآن، بل أكاد أجزم أو أقسم بأنه الأفسد بين دول العالم وعلى مر العصور منذ قانون سكسونيا وإلى الآن، لكنه لن يستطيع أن يخترع قانون جديد يحاكمه بهِ، أضف لهذا أن لجنة تقصي الحقائق قد أرفقت تقريرا من تسعمائة ورقة أثبتت فيها بما لا يدع مجالا "للهجص" أن المخلوع مُدان بقتل الثوار، وأن قناةً تليفزيونيةً كانت تُبث مشفرة له من الميدان ليتابع الموقف أولا بأول، فلا مجال للمراوغة، ثم إن المصريين قد هاجوا وماجوا على تنحي المحكمة عن الحكم، وهو يعلم هذا الشعب أن القضاء فاسد ومائل ناحية المخلوع، ففي هذه الحالة تُفسر حالة التنحي لصالح الحكم القادم، فلو أن القاضي "الفاسد" هذا رأى أن موقف المخلوع مُريح ما تنحى! ثم جاءت مشكلة الإفراج لتضع النقاط على الحروف، وهي بالتأكيد رجما بالغيب.
الموضوع يحتاج إلى قليل من التؤدة، والذي يستطيع الحشد الآن يستطيع الشد بعد أن يصدر الحكم، ولو صدر كما يتوقع المتشائمون فالمهمة ستكون أسهل والنتيجة ستكون أفضل. قل انتظروا إنَّ منتظرون.

مصطفى كامل زلوم    

الخميس، 22 نوفمبر 2012

هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا




كان لا بد لشعب أعتاد على التهجيص ، وأعتاد على أن يُحكم من مبنى التلفزيون ، أن يذوق الأمرين !

منذ إنشاء المبنى القابع على كورنيش نيل القاهرة في الستينات على يد ناصر ، وتحديدا صيف 1960م والأمور تدار من هناك.
فقد هُدي الزعيم "الحنجوري" إلى أن المنسم لن يستقيم له إلا من خلال إذاعة قوية (الحنجرة) عالية (التردد) طويلة (الموجة) لينال بها من أعدائه ! وقد كان لهُ ما أراد ، فجيش ناصر المكون من عدة مذيعين ومذيعات ، وعدة مغنيين ومغنيات ، وطابور الملحنين والمؤلفين ، من شعراء التوجه الأحادي ، استطاع أن يقهر كل الإذاعات الموجهة ، بدايةً من إذاعة اليمن من (عدن) العاصمة الجنوبية ، إلى إذاعة العراق من بغداد ، إلى مهاتراته مع إذاعة سوريا بعد انشقاق الإقليم الشمالي عن الجمهورية العربية المتحدة ، ثم مهاتراته أيضا مع صوت أمريكا ، إلى أخيرا خزعبلاته مع هيئة الإذاعة البريطانية ، هذا بالتأكيد قبل حربه الطاحنة التي أنهى بها حياته الزاخرة مع إذاعة الأردن من عمّان.
فلم يعرف الزعيم الإذاعي جمال عبد الناصر إلا الأستوديو ميدانا للحرب ، حتى لما أدار عملية (إيلات ويافا) كان من داخل أستوديو إذاعي !

أما في مجال الحرب الحقيقية على الأرض ، فلم يكن للرجل العاطفي الانفعالي أي رصيد يُذكر ، فمن نكسة إلى وكسة إلى خيبة أمل مضت حياته وانحنى خط بيانه. وذهب ناصر إلى ربه بعد مخازي عدة على أرض الواقع ، وبانتصارات عارمة في المجال الخيالي وعبر الأثير.

وجاء السادات ، وأذكر هنا ما قاله عنه محمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) حيث قال: إن أنور السادات هو الفرعون الوحيد الذي جاء إلى الحكم مسلحا بكاميرا.
أي أنّ الرجل أيضا من الفصيلة الأثيرية ! تلك الفصيلة التي اعتادت على الحرب من داخل الأستوديو ، وإن كان السادات قد غسل عار سلفه العشنَّق بدماء عزيزة جرت فمحت دماءً غليلة لجَّت بها صحراء سيناء ، ألا أنه لمَّا أنفضَّ العرس عنه وأطفئت السرج بعد وقف إطلاق النار ، وبعد تجميد العمليات وفك الارتباط الأول والثاني ، لم يستطع الرجل الأثيري أن ينحسر عنه الضوء سنة واحدة ! خاصةً بعدما عرفت صوره طريقها إلى أغلفة المجلات العالمية ، وحجز مقعده أمام كبار المحاورين الأفذاذ ، وأطلت سحنته على العالمين من خلال كبريات الشاشات العريقة.
أقول: لم يستطع الرجل الصبر على هجر الأثير له ، فسارع إلى هدم ما بنا ، وإفشال ما سعى ، فنكص على عقبيه إلى الزيارة التاريخية التي علمت العالم العربي الطريقة المثلى في الانبطاح ! وبذات الوقت جذبت كل الكاميرات إلى حيث يكون.

سارع الرجل المنتصر (جيشه) على أرض الواقع ، إلى الهزيمة الواقعية مقابل النصر الخيالي ، فمقابل أن يقف وقفة دراماتيكية ، ويجلس جلسة "هليودية" ويضحك ضحكة (جيمس بوندية) باع النصر ، واشترى الهزيمة واقترض الأمان وسأل السلام فلم يعطه ! وإن كانت الكلمة ملئت حينئذ الأفاق ، لكنها لم تُتَرجم على أرض سيناء حتى يومنا هذا ، على الأقل من جانبنا ، أما من جانبهم فهم في أمان السادات وكارتر وبيجين.

وعلى الدرب هم سائرون ، فإن كان ناصر مؤسس الفكر الناصري القائم على الشيوعية المحضة ، الفكر المسمى إفكا (اشتراكية) وليس هو من الاشتراكية في شيء وليس له من تفسير سوى الشيوعية البلشُفية الحمراء ، أو السادات الليبرالي الرأس مالي الغربي ، الذي استطاع (تهجين) مسار الفكر العربي المصري إلى (شيوعمالي). فالناس أمام الحاكم شيوعيون ، بمعنى هم وما يملكون ملكا له ، يسرق منهم كيفما يشاء ، فإن أفلسوا فهم رأس ماليون ، حتى إذا عادوا إلى أوطانهم كانوا شيوعيين ! شيء أشبه بالسمك لبن تمر هندي ، فالحياة في شارع (الشواربي) – العاصمة التهليبية التهريبية لعصر الانشكاح المسمى انفتاحا - كانت قمة الرأس مالية ، أما في بيوت الموظفين وأكواخ الفلاحين فكانت أشد شيوعية من (بادالينج) أيام (ماو تسي تنج) الزعيم الشيوعي الصيني.
أقول: إن كان ذاك أو ذلك أو من خلفهم ، ويا بئس الخلف فالكل كانوا من مدرسة واحدة ، المدرسة التي حدودها مبنى الإذاعة والتلفزيون أو ما طرأ عليه من مدن واستوديوهات ، الكل أعتاد على أن يسوس شعب من وراء ميكرفون ثم كاميرا وحديثا برنامجا جماهيريا واسع المدى ، كان كذلك حسني ! الذي خلف السادات – الرجل الأثيري الثاني – فكان الرجل الأثيري الثالث أشد تقنيةً من سالفيه ، فكانت في عصره أن زادت القوات المسلحة التلفزيونية والإذاعية وادخل عليها فيلق الأفلام وفيلق المسرحيات وفيلق الأغاني وقوات (كوماندوز) خاصة جدا من رجال أعمال فنيين وفنيات ، وجرَّ أولئك قوات (مارينز) من فصيلة إعلامية فقست حديثا من حاضنة الصحافة الصفراء ، والتي تولى رجال الأعمال رعايتها بالتدفئة والتهوية ، فكان الهم كبير جدا ، أما في عصر الثالث فكان النصر أكبر ، وكانت الزعامة أشمل ، فرأينا وسمعنا وخبرنا زعيما ظل ثلاثين عاما يحكم بحب شعبه له – من خلال الأغاني والأفلام طبعا - ، وطالب شعبه به أكثر من مرة – تمثيليا – ثم بكى الشعب بكاءً حارًا راجيا إياه أن يترك لهم ابنه من بعده – دراميا بالتأكيد – وشهدنا على زوجته وهي تترجى خادمتها أن تقول لها (يا أم علاء) بدلا من يا هانم – في مسلسل إذاعي شهير – ولمسنا بآذاننا صوت الطلعة الجوية التي فتحت باب الحرية ، وأمسكنا بأعيننا صورةً كانت لفريق مهندس حرب رمضان (أكتوبر) حذفت بضغطة زر وجاءت بدلا منها أخرى أكثر نضرة وأشد بهاءً ، وقرعة عيوننا صورة أخرى بمؤسسة صحفية كبرى تحركت بقدرة قادر من خلف (أوباما) إلى أمام أمامه ، وسبحان مسير الأكوان ومصور الصور وخزيان لمن يغيب العقول ويُعاند القدر.

ولو تُرك لي الحبل على الغارب لاسترسلت في الحديث حتى أحوي بمكتوبي هذا كل الرجال والنساء الوهميين والأثيريين الذي درجوا على حرب الكواكب وأفلام الخيال العلمي ، بداية من زعيم هبط علينا من تويتر وفيس بوك إلى آخر لا يستطيع البعد عن الكاميرا طرفة عين ، ولم يبق إلا أن يصور لنا جثته وهو نائم في غرفة نومه ، فكل شيء يهون عند أولئك إلا أن تسرق منهم الكاميرا ، وقد فهم خبثاء المجال الإعلامي هذا الشجن ، فعزفوا ولا يزالوا على وتره الحساس ، فتراهم مضيَّفين لذانكم النفر كل يوم ، ومن برنامج لبرنامج ، ومن قناة لأخرى ، ولا تحتاج تلكم الحرب إلا عدة رابطات عنق أنيقة وما أكثرها ، وطاقم من الأقلام الماسية أو الذهبية ليشير بها من آن لآخر أما الكاميرا ، فتلمع لتخطف بصر المشاهد وبصيرته ، وتتركه مغيبا ، عجلا جسدا له خوار.
والكارثة الكبرى أنهم يرون أنفسهم مقاتلين ، وأن هذا هو مجال حربهم ، لذلك تراهم دوما يطلبون المدد من الحضَّانات والمفارخ ، فتارة يطلبون من الشرق ، وتارة من الغرب ، والحرب دائرة على أشدها.
من هنا جاءت الفجوة العميقة التي نراها الآن ، وعدم الفهم ورداءة الترجمة بين جماعة الإخوان والسفليين من جهة ، وبين أبناء حنجور وطرطور والعم ماسبيرو ، الجماعتان المذكورتان صاحبتا التوجه الديني الإسلامي ، لا تعرفان الحرب الالكترونية الوهمية ، ولا تجيدان الجلوس خلف الشاشات ولا أمام الكاميرات ، ويهيئ لهم إن كانوا إخوانا أو سلفيين ، أن العمل على الأرض أسمى أمانيهم ، وأنَّ المنابر التي دأبوا على ارتيادها بين المصلين وبحضرة السامعين وفي متناول المختلفين أصدقُ أنباءً من الصُحفِ ومن أصحابها ، وأن الناعقين داخل الاستوديوهات ما هم إلا قردة يقفزون من شجرة إلى أخرى لا قيمة لهم ، وعلى الجانب الأخر أصحاب دكاكين الإعلام ومن على شاكلتهم من حناجر وحُلل ورابطات عنق وأحذية لامعة ، لا يقدرون العمل الأرضي ، ويرون أن الأثير هو الحل ، وأن الطيران في الجو والهبوط على أسطح المنازل وقصد الطبق القابع فوق السطح والولوج عبر الأسلاك إلى المصب داخل مستطيل ذي شاشة فضية ، عمل انتحاري ناجح وناجع وعظيم ، وأن تحريك الجيوش ومن خلفها ومن أمامها ومن فوقها ومن تحتها الشعوب الثائرة لا يحتاج منه إلا فقط (تويتة) صغيرة ذات مائة وأربعين حرفا ، أو تدوينة على فيس بوك لا تتكلف سوى كوبَ شاي وسيجارة أو إن شئت قل (سيجار) كوبي فاخر ! ولا بأس من عدة ألفاظ ومصطلحات لزوم (السبوبة) لا يعرفون لها معنى ، على قليل من تجارة الظروف والمواقف والرقص على الأشلاء وبيع المبادئ في مزاد الذمم ، واستغلال الأحداث مهما كانت دامية.

إنَّهم حصادٌ يا سادة وليسوا زراعًا يغتاظ بهم الكفار فلا تلوموهم ، فهم جُبلوا على أن رحى الحرب تدار من داخل الأستوديو ، إن كان صوتيا أو مرئيا ، تعلموا أن بناء التلفزيون يأتي قبل بناء الجيش ، وأن دعم الأجهزة الالكترونية أهم من دعم الرغيف ، وأن الراقصة أكثر شهرة من الشيخ ، وأن المغني صاحب رسالة ، وأن الملحن صاحب مدرسة ، وأن الشاعر الماجن رائد جيل ، وأن الكاتب الملحد صاحب (نوبل) وأن النخبة محلها المختار القنوات الفضائية ، هذا ما تعلموه ، أما نحن فلنتعلم أن الذي نجده بجوارنا هو أقرب الناس إلينا ، وأن الذي لا يأكل أكلي لن يجد مرارتي ، وأن لا أمل لنا إلا بهذا الدين ، وإلا – فأمامك الحناجر تنبح ليل نهار فـ (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً( وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________

بقلم / مصطفى كامل زلوم              
             
   
     

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

من دولة الرئيس لـ رئيس الدولة !



إلى جانب كل الأحزان التي تلف القصر الرئاسي هذه الأيام، حزنا على الراحلين من أبناء الوطن، وحزنا على الحاقدين من أبناء كيان آخر، وحزنا على رؤوس أموال جمعها أصحابُها خصيصا ليحادون بها الله ورسوله، وحزنا على (دكاكين) إعلام وألسنة أقزام دأبت على
 النشيج الباهت المأجور، والنواح الكاذب، وحزنا على ما آل إليه حال العوام من تفسخ وتشرذم بسبب ما يُصبُ في روعهم كل بُرهة من خداع وتلفيق، يبرز خبرٌ خافت، ولو كان أيام المخلوع لهزَّ الأرض هزا، ألا وهو خبر وفاة شقيقة الرئيس محمد مرسي.


خبرٌ تناقلته وسيلة واحدة غير إعلامية، وهي موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) وكأنه حديث الناس فقط، وليس لنخبة الإعلام أدنى دخل من قريب أو من بعيد، ويعودُ بي هذا الخبر إلى الأيام الخوالي، عندما مات الحفيد الأول للرئيس السابق المخلوع، محمد علاء مبارك، وإلى كم الأحزان التي لفَّت الشاشات التليفزيونية حينئذ، وإلى ليلة كئيبة ظل فيها الدكتور حسن راتب يندب الخدين طوال الليل من خلال (دكانه) الإعلامي (المحور) معددا مناقب ومآثر الفقيد العظيم، وكيف أن الراحل المفضال (كانت) له أيادٍ بيضاء على العمل العام والعمل الخدمي من خلال جمعية خيرية لها من الفضل الكبير ما لها.


وشرحه على (دكان دريم) لكنّ هذه المرة لم يكن النادب النائح صاحب القناة، لكنها كانت نائحة مأجورة غير ثكلى، كانت تتوسط الجنازة (منى الشاذلي) بردائها الأسود الشفاف ! والقناة الأولى والقناة الثانية والقناة الثالثة والفضائية المصرية الأولى والثانية ومجموعة قنوات النيل، حتى قناة النيل كوميدي تحولت إلى قناة دينية إنشادية ! وقضيناها ليلة (بالطول والعرض) بين تدين مفتعل إلى حزن وندب ونواح لا طائل من ورائه، ناهيك عن لقطات حية من الجنازة الحارة، واستعرض نقدي تعليقي من فضيلة الدكتور سالف الذكر، يوضح فيها للمشاهدين كيف أن الحزن بلغ مبلغا ببيت الرئاسة ما دفع الأب (علاء) والعم (جمال) إلى أن حملا النعش بدلا من طاقم الحرس الجمهوري الذي كان مهيئا لتلك المهمة.


كل هذا فضلا عن ما فعله شيخ الأزهر وبابا الكنيسة من صلوات، فقد دعا شيخ الأزهر وتبتل، وترنم البابا وتختل، ولم تغرب شمس الحداد إلا بعد ثلاثة أيام.
أما الحاجة فاطمة، أمي وأمك، خالتي وخالتك، عمتي وعمتك، التي لفظت أنفاسها داخل مستشفى جامعي حكومي فلها الله، لها الله إن لم يتذكرها شيخ الأزهر ولا بابا الكنيسة، وإن لم ينعها حسن راتب ولا أحمد بهجت، وإن لم تنح عليها منى الشاذلي، وإن لم تفرد لها أي قناة خمس دقائق من وقتها، لها الله الذي سيذكرها فيمن عنده، ولا حاجة لها في ذكر الذاكرين المأجورين، وإنّا للهِ وإنَّا إليه راجعون. 

_________________



بقلم / مصطفى كامل زلوم

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

سيف ساويرس وذهبه !



من أشد وأقسى الاختبارات التي مر بها الرئيس المصري محمد مرسي منذ بروزه للمعترك الرئاسي وفي رحلته من قرية العدوة إلى قصر الاتحادية ، ذلك الاختبار الذي يمر به الآن ، والذي أسأل الله أن يكتب له النجاح والفلاح وأن يلهمه الرشد والتبصر في اجتيازه بأمان وتوفيق.

الاختبار الذي أوقعه فيه نصارى المهجر ، وقد كان الرجل قد تعدى واجتاز الاختبار الأول بسلام ، لا أقول بنجاح ولكن فقط بسلام ، حينما أوقعه مساعدوه ومستشاروه في أزمة مع التيار الديني الإسلامي الكبير ، بدعوته للاجتماع برموز العهر والتفسخ في مصر المسمون بالممثلين أو (المبدعين) ، وتعدى الموقف وكاد أن يُنسى ، وما أن توارى قليلا إلا وجاء الاختبار الثاني البغيض ، والذي يزداد سخونة وشجونا عن الأول بكثير ، فهذا الأخير يمس عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي يَمُس كل مسلم ومسلمة في مشارق الأرض ومغاربها ، ويُعدُ هذا الهجوم وإن لم يكن الأول من نوعه هو الأول في عهد الرئاسة التي يراها البعض دينية أو إسلامية ، هكذا يعقد السلفيون آمالهم ، وينتظرون كلمة الرئيس المسلم حافظ القرءان المنتمي لجماعة ناصرت الدين وهي لا حول ولا قوة لها ، فما بالك الآن وهي في سدة الحكم وعلى أعلى سنام الأمر والنهي ؟! ، وهكذا يأمل الشارع المصري المسلم المتدين بطبعه ، ومن بين المنتظرين آخرون متربصون ينتظرون رد فعل الرئيس الإرهابي والمنتمي لجماعة أصولية متشددة ، وعليه يكون الفعل.

إن أمريكا وإسرائيل في الخارج ورجالاتهما من نصارى (ساو يرس) وأطفال (زقلمة) وأتباع (فلباتير) و(متياس) في الداخل مضافٌ إليهم كثير من الليبراليين والعلمانيين والناصريين واليساريين لن يتركوا مصر تهنأ برئيسها ولا دستورها ولا برلمانها ولا نهضتها ولا اقتصادها.
بالأمس القريب وقف حمدين الناصري اليساري الشيوعي حائلا أمام اقتصاد وتقدم البلد ، حينما حذر المستثمرين الأمريكان من الاستثمار في مصر ، مهولا ومبتدعا كلاما ما أنزل الله به من سلطان ، مفاده أن مصر مقدمة على ثورة جديدة وأن الوضع الداخلي لمصر غير مهيأ الآن للاستثمار ، ولم يكن حمدين الحاقد بمفرده ، إنما كان يرد عليه في (جوقته) صوتٌ آخر أكثر نشازا وأقل احتراما وتدينا وأكثر وصولية وحقدا ، وهو ممثل حزب الدستور البردعاوي !
يا لسخرية القدر ، حينما يجتمع العلماني المؤمن بالرأس مالية مع الشيوعي المؤمن بالاشتراكية ، حينما ينساب نهرُ الميسيسيبي (شمال شرق أمريكا الشمالية) ممتزجا ببحر قزوين في روسيا ، حينما يصطلح الخصمان ويلتقي الضدَّان على خصومة الإسلام وأهله !
ولم يقف الوضع عند هذا الحد ، بل أعملت العقارب سمومها وأفرغت الحيات أدرانها بهدف إحراج الرئيس وإقصائه عن هدفه وإبعاده عن طريقه ، فكانت هذه الأزمة التي نمر بها أو تمر بنا ، أزمة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما هي إلا افتعال أزمة واختلاق مشكلة من لا شيء حتى يتحرك الشباب المسلم ، ويتحرق الرئيس المسلم ، ويندفع المشايخ يصرحون ، ويا حبذا من قتلى يُسمون في إعلام الفلول شهداء الكنائس ، وتشتعل الدنيا نارا ، أما إن سكت الرئيس ولم يتكلم ولم يتحرق نارا أمام لهيب الشباب الهادر ، فلن يبكي أحدٌ من الإسلاميين عليه ثانيةً إن سبوه أو شتموه ، ثم يُطور الأمر إلى تشكيك في تدين الرجل ، ومن هنا يلج الشيطان الإعلامي الليبرالي اللعين.

هم أدركوا جيدا أن من حول الرئيس تيارا إسلاميا قويا لا قبل لهم به ، وأدركوا أيضا أن قوة مرسي تكمن في من حوله من رجال ، وأن المشايخ والعلماء الذين يوجعونهم دعاءً لمرسي في حلهم وترحالهم هم سبب شموخ الرجل وعلو أنفه وسداد رأيه ، فكان لابد من فصله عنهم وفصلهم عنه ، لا - بل أغرتهم أحلامهم المريضة بما هو أبعد من هذا نسبا ، بأن يحولوا الدعوات يوما لعداوات ، والشفاعات إلى لعنات ، وأن يصبح الرجل فذا لا جليس ولا ونيس ولا رفيق ، حينها يصبحُ لقمةً سائغةً لهم ، ومن ورائهِ نحنُ بعدما يسقط رمزُنا ، ويخبو أمرنا ، فنصيرُ كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
وبعدها يعلنوها صريحةً أن التجربة الإسلامية لم تؤتِ ثمارها وأنّها ذهبت أدراج الريح ، ثم نعود كما كنا حقلا للتجارب مرةً أخرى ، بعدما يدور الدولاب علينا من جديد ، ليبرالية علمانية ثم عسكرية اشتراكية ثم رأس مالية تابعة ذليلة وسوق حقيرٌ لمستصغر التجار ومستحقر البضائع ، ومستودع لكل ضائع ، ثم بقرة ضروع تحلب ولا تأكل ، وتحرث ولا ترعى ، وتسقي ولا تشرب ، وتلد بعد ذلك أموالا ولدا يافعا.
وفي ظل التقلبات تنبت الحشائش وتفقس الحشرات ، فنرى عزا وصفوتا وسرورا.
  وكما قال نابليون بونابرت فتش عن المرأة ، أقولها أنا فتش عن ساويرس عند كل مصيبة ، فليس نصارى المهجر ببعيدين عن سيف ساويرس وذهبه ، وإن كانت حركة أبي حامد الخائبة قد باءت بالفشل الكسيح فإن مخططا كهذا تنفق عليه كبريات أجهرت المخابرات في العالم لن يذهب هدرا – هكذا يظنون – وكل ظنهم أثما.

أبحث وفتش عن ساويرس يا سيادة الرئيس ، فزقلمة ومايكل منير وموريس صادق وكان من قبلهم الهالك (عدلي أبادير) وعلى استحياء (جورج إسحاق)  ما هم إلا دمى في يد ساويرس صاحب المال الغزير ، وهناك أيضا نسخة مسلمة ، أو هكذا تطلق على نفسها من واقع بطاقة تحقيق الهوية ، نسخةٌ تجمع إبراهيم عيسى وأبا حامد وحامدين صباحي وعادل حمودة وحمدي الفخراني وأبا العز الحريري والآخران هما الذراع القانوني لأولئك الموتورين تخصص طعون عجفاء !
إنها الحرب إذن والتي تعلم سيدي الرئيس ونعلم جميعا بأن في الحرب كل شيء مُباح ومستباح إن لم يكن مُباحا ، حتى عِرض النبي الأكرم استباحه وأجتاحه الخاطئون ، وقاتل الله السياسة إن أعمتنا عن هدايتنا وأخرجتنا من حصافتنا وجعلتنا نبيع الغالي بالرخيص ، فنرمي الطيب ونحمل الرثَّ ونلقي المَنَّ ونأكل الغثَّ ونكره الذهب ونُجلي الجصَّ وإنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون.

لن نفقد احترامنا لك ، ولن تفقد حبا فيك ، أما رسول الله ففداؤه أبي وأمي ومالي وعرضي وكل ما أملك في هذه الدنيا ، سينصرهُ الله بنا أو بغيرنا ولن يطاله نبح الكلاب إلا عزًّا ، ولن يؤثر فيه كل ناعق ينعق بما لا يعلم ويهرف بما لا يعرف ، فهو النبي لا كذب ، هو أبن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ورضي عن صحابته وآل بيته.  
_____________

بقلم - مصطفى كامل زلوم   
                   

الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

حكاية كشك



مهما اختلفت أشكاله وألوانه وطبخاته يبقى الكشك المصري "الصعيدي" لغزًا محيرًا لمن أراد أن يبحث عن أصول الأشياء وتاريخ الشعوب !

ما أن يطل علينا شهر يوليو "تموز" نحن أهالي الصعيد ومحافظة المنيا خاصة وأهل دلجا خاصة الخاصة إلا ويتبادر فورا إلى الأذهان العملية الغذائية القومية الشاقة والمشتركة ، صناعة الكشك ، أو إعداد كشك الطعام !
ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نشارك في صناعة هذا المأكول الغريب والعجيب ، إما إيجابا أو سلبا ، بمعنى: أن نكون أفرادا صالحين في إعداد المأكول بمشاركة أهلنا فيه ومد يد العون إليهم ، أو نكون - ونحن أطفالا - لا علاقة لنا بهذا النوع من الطعام – بعد الأكل - إلا أن نكون محتفلين ومشاركين بامتياز في عُرس الكشك السنوي.

ردَّدت كثيرا ذلك السؤال الذي كان يقفز من فم أمي رحمها الله كل عام ، وعند التأهب للترتيبات الأولية لدخول المعترك (الكشكي) السنوي وهو: من أخترع الكشك ؟ فكانت أمي تقولها بعدما تدعوا على ذاك الكسلان الذي أخترع الكشك ، أو هذا النوع من الطعام الذي يكفي مؤنة عام كامل ، فكانت بعدما تمطره بوابل من الدعوات ، تسأل نفسها تارة ، أو تسأل جاراتها اللاتي جئن لمساعدتها تارةً أخرى "من الذي اخترع الكشك" لكن دائما كانت المسئولات لسن أحسن حظا من السائلة ، فكانت الإجابة كل عام تقيد ضد مجهول ، مما دفعني بعد هذا التسلسل الزمني للأحداث ، وكثرة وتراكم الأسئلة السنوية إلى أن أفتح هذا الباب الغامض والذي لم ولن يطرقه أحد ، ربما لخصوصية هذا النوع من الطعام ، أو لأن الناس أصبحوا لا يهتموا بهذا النوع من أنواع البحث ، ومع دخول الصيف هذا العام ، ترددت كثيرا في نشر هذا الموضوع والذي استوثقت منه منذ أكثر من خمسة أعوام كاملة ، وفي النهاية نشرته من باب الأمانة العلمية ، ومن باب المعرفة التي لطالما تعطشنا إليها دائما ، ومهما كان الموضوع غير ذي أهمية – أو كذلك يبدو - لكن المعلومة هي الأهم ، وربما المعلومة المكتسبة من وراء موضوع غير هام ، تكون تعويضا عن ساعات القراءة وتعب التمحيص .

تنفق قرية دلجا سنويا ما يقترب من مليونين إلى ثلاثة ملايين جنيه على صناعة أو إعداد "أكلة" معمرة تدوم عاما كاملا "مشونة" داخل صوامع مخصوصة لهذا الغرض ، ومع دخول الصيف يتأهب أهل دلجا لذلك العمل السنوي الشاق ، يبدأ باختيار وانتقاه نوع ممتاز من القمح البلدي الأصيل ، ويا حبذا لو كان أبيضا ناصعَ البياض ، ثم تقوم النساء في البيوت بتنظيفه من عوالق الحصا الصغير والمجلوب معه من الأراضي الزراعية ، يكون التنظيف عادةً بالفرز اليدوي الدقيق أو مؤخرا بالغسل بالماء .
الخطوة التالية تكون "السلق" يتم سلق القمح بشكل كمي وكيفي ، يذهب ربُ الأسرة إلى "حلة" سلق القمح بالقرية ، وهي عبارة عن إناء ضخم كالذي يعدون فيه الطعام في القوات المسلحة والذي يسمونه مجازا "أزان" ، يتم السلق في حوالي ساعتين مع التبريد على المفروشات المصنوعة من الخوص.
يعود القمح إلى المنزل بعد تحوله إلى "بليلة" قمح مسلوق ، ثم يصعدون به إلى الدور العلوي للمنزل ليُجفف على أشعة الشمس المحرقة في صيف يوليو الحار.
يظل في الشمس من ثلاثة إلى أربعة أيام ثم يعبَّأ في الحاويات مرةً أخرى ليذهب للخطوة التالية وهي "الدَّش" أو التكسير وليس الطحن الناعم !
يذهب ربُ المنزل به إلى طاحونة أو "مدشة" تشبه الطاحونة إلى حدٍ كبير لكنها أكثر حنانا على حبات القمح المسلوقة والمجففة بأشعة الشمس ، فلا تطحنها كل الطحن بل تكسرها إلى ثلاث قطع ، مع ما يتخللها من إفرازات ناعمة أخرى يتم التخلص منها أثناء الغربلة التالية للدّش .
ثم مع الخطوة السابقة "الدش" يسارع ربُ المنزل بشراء "اللبن الحامض"
وهو أحد مشتقات الألبان ، أو كان كذلك يوما ما قبلما ينزع منه الدسم الكامل ، ثم يخزن في "أزيار" جمع (زير) مصنوعة من الفخار ويعتق لمدة عام كامل قبل طرحه للبيع ، وهو عادة يجلب من مدن وقرى شمال غرب المنيا ، وله تجَّاره وتجارته التي تنتعش حتما مع دخول الصيف واقتراب موسم الكشك الصعيدي أو الدلجي
يشتري رب المنزل أكياس اللبن والتي تُوزن بوحدة وزن تسمى (الصفيحة) على اعتبار أنه من ضمن السوائل ، ويقدرُ الحاذقون في الصنعة الكمية المناسبة لإعداد "أرادب" قمح أو كشك ، وهي الكمية التي تناسب البيت فوق المتوسط في بلادنا ، أما البيوت الأكبر عددا وأكثر إمكانياتا فمن الممكن أن تكون كفايتهم أكثر من أرادب قمح في العام
يترك اللبن داخل أكياسه القماشية ليُصفى من الماء المالح ويتحول بعد ثلاث أيام لمادة صلبة ، مع تزويده من حين لأخر بالماء النظيف ، ثم تجمع ربة المنزل جاراتها من النساء ويقمن بالـ "حم" ولا أدري من أين جاءت النسوة بهذا المصطلح الغريب ، الحم ، وهو خلط القمح أو البليلة اليابسة والمكسَّرة مع اللبن الحامض والمزود بالماء النظيف داخل أواني ضخمة تصنع عادةً من الألمونيوم.
يُترك نصف يوم على هذه الحالة حتى يختمر ، قبل أن يفرَّغ على فراش يعد خصيصا لهذا الغرض ويتم الليلة كاملة إلى ظهر اليوم التالي أو إلى العصر قبل أن تبدأ الخطوتان التاليتان أو اللمسات قبل الأخيرة.

مع تأهب شمس اليوم التالي إلى الرحيل ، ومع بداية احمرار القرص الساخن يخرج رب المنزل إلى منتديات الرجال في القرية ، وغالبا إلى المقاهي أو ميادين العائلات العريقة بالبلدة ، فيُسر إلى بعض معارفه وأقاربه وأصدقائه ويطلبهم لأن يساعدوه في عمل الكشك ، وتسمى هذه الخطوة العجن أو إصطلاحا "المَلْكْ" بفتح الميم وتسكين اللام والكاف ، وهي عبارة عن عملية عجن جماعي يؤديها بامتياز الرجال دون النساء ، لأنها عملية عضلية شاقة إلى حدٍ ما ، ومن أهم ما يميزها  أنها بدون أجر ، فتكون دائما بالـ "عشم" الريفي المتوارث ، وتنتهي العملية بالعشاء الطيب والضحكات الصافية ، وكل عام وأنتم بخير.
بعد رحيل الرجال عن المنزل تبدأ موقعة النساء الحامية والتي تمتد عادةً إلى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي ، تُزينها الضحكات والقفشات النسائية الريفية الذكية حينا والخبيثة أحيانا ، أما عن طبيعة عملهن فهي عبارة عن تقطيع العجين إلى وحدات تقديرية ثم تدويرها وتحويلها بكف اليد إلى كرات صغيرة تقارب الواحدة كرة "البينج بونج" تقريبا.
بعد ذلك يتم تجفيف الكشك فوق الأسطح ومرة أخرى على أشعة الشمس الحارقة كما فُعل مع القمح في بداية العملية ، فيُنشَّر في الشمس ثلاثة أيام أخر لييبس تماما ثم ينقل إلى الصوامع المصنوعة من (الطين) ليُخزن عاما كاملا يؤخذ منه كل يوم بمقدار حتى ينفذ.

 يكون الكشك حاضرا على وجبة الإفطار كل صباح ، فيعد في دقائق معدودة ، بأن يغمر في الماء البارد لمدة خمس دقائق ثم يؤكل طريا بعد البل ، أو يبل في الماء الساخن ثم يُصفى من الماء ويغمر بالسمن البلدي واللبن الحليب ، ومن الناس من يزوده بالسكر ، كما أني قد أدليت بدلوي فيه فأضفت إليه بعد البل بالماء الساخن والتصفية من الماء أضفت السمن البلدي وعسل النحل ، فكان شهيًا للغاية ، هذه لمحة بسيطة عن الصورة النهائية الكيفية لمأكول الكشك بعد الصناعة الأولية والإعداد الكمي العام.

بدايةً لنلقي نظرةً عابرةً على الكلمات والأسماء المستعملة والمُطلقة على هذا النوع من الطعام البسيط والذي يُصنع من مواد قريبة منا ، ونعرفها عز المعرفة ، ولكن على سيرتها الأولى ومن أسمائها الأولية مثل: "قمح" و"لبن" أو حامض اللبن أو اللبن المعتق أو القديم ، لكن حينما يختلط النوعان ليكمل أحدُهما الأخر يتحولان إلى أسم طعام له طبيعة خاصة وله اسم خاص به (كشك) أما سلسلة الأسماء على التوالي فهي كالتالي:
(قمح – بليلة – دشيشة – حَمْ – عجين – كشك) وأما عن أسماء العمليات المشاركة في صنع الكشك فهي:
(سلق – دَشّ – حَمْ – مَلْكْ – تقطيع – لَمْ) وهناك أسماء لأشياء مساعدة وعمليات جانبية مثل: ما يُطلق عليه (عنقط) وهو الشيء الناعم أو "الباودر" الذي يُفرز من ناتج غربلة الدشيشة أو القمح المكسر والمسلوق ، وهو عبارة عن دقيق أصفر شبه ناعم ، تقوم بعض النساء بإعادة تدويره مرة أخرى بدلا من التخلص منه بعجنه مع قليل من اللبن الحامض ، فينتج عنه نوع رديء ناعم من الكشك والغريب يطلقون عليه أسم (كشك الباشا) ويكون برغم رداءته ناعم الملمس أبيض اللون صغير الحجم نوعا ما عن الكشك العادي ، لكنه شيء بدلا من القمامة ، يتم التخلص منه فور تجفيفه بأن تأكله الطيور الداجنة أو الحيوانات الساكنة مع الفلاح ، لكن غالبا لا تأكله الأسرة ، لكن الغريب هو المُسمى (كشك الباشا) ولو بدأنا البحث من هذه النقطة من الممكن أن نصل إلى حقيقة وهي أن الكشك كان قبل دخول الباشا إلى مصر ، أو إلى صعيد مصر ، فقد ظهر هذا اللقب التركي مع دخول العثمانيين إلى مصر في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي ، فمن الواضح أن العامة كانت تكره هذا العنصر الدخيل ، فأطلقت أسمه على الجانب الرديء من الطعام ، أو ربما علامة على الحب للباشا وإكبارا له ، خاصة وأن منظر هذا النوع من الكشك أجمل من الكشك المعتاد بكثير ، أو ربما هي حكمة بالغة من حكم الشارع المصري القديم ، فيما تعني أن الطعام لا يُحكم عليه من حيث الشكل أو المسمى ، أو من حيث الفئة التي تأكله ، فربما طعام غالي الثمن بالغ الجمال يأكله علية القوم وهو رديء لا يحبذه العامة .
لكن وأيا كانت الحقيقة أو الرواية التاريخية تقول ، فالحقيقة الأكثر وضوحا والأشد صدقا هي أن الكشك كان حاضرا قبل دخول الأتراك مصر عام 1517 ، فألحقت الكنية على الاسم الأصلي ، فكان الاسم الأول "كشك" ثم أصبح كشك الباشا ، ومن هنا ندخل إلى دهاليز التاريخ المظلمة والتي ليست من الأهمية بمكان حيث يفرد لها المؤرخ ويعنون لها ويبوب لها أبوابا ، لذلك لن تجد بسهولة عنوانا في كتب التاريخ يقول: تاريخ صناعة الكشك في مصر القديمة ، أو أسم من اخترع الكشك في صعيد مصر ، لأن التاريخ عني منذ القدم ولا زال بالأحداث التي قد تؤثر في تنسيبه أو ترتيب أوراقه .
وبنظرة فاحصة على معاجم اللغة العربية ، وإن كانت اللغة هي مدخلنا للبحث والتوثيق ، نجد أنّ لسانَ العربِ قد ذكر كلمة "كَشكٌ" بفتح الكاف وتسكين الشين وضم الكاف بمعنى "ماءُ الشعيرِ" وأظنُ أنّ هناك ثمة خيطٌ رفيعٌ يربط بين المعنيين "ماء الشعير" طبعا بعد طبخهِ أو "سلقه" والقمحُ الذي يُسلق ليصير كشكًا فيما بعد !
قلنا أن الكشك كان حاضرا قبل دخول الباشا أو تلك التسمية أو "الرتبة" التركية إلى مصر في عام 1517 ، لكن منذ متى كان حاضرا على وجه التحديد ؟! هذا ما أعياني بحثا حتى أصل – ومن خلال أسطورة فرعونية – إلى ما يلي:

الكشك صناعة فرعونية:
تقول الأسطورة أن أحمس طارد الهكسوس (أحمس هو ابن الملك سقنن رع تاعا الأول والملكة  إياح حتب، وأخو الملك  كامس، آخر ملوك الأسرة السابعة عشر. في سن العاشرة تولى أحمس والذي يعنى اسمه وُلِد القمر أي:الهلال الحكم بعد وفاة والده ووفاة أخيه في الحرب ضد الهكسوس) لما أنتوى (أحمس) طرد الهكسوس الغزاة من مصر ، والذين اتخذوا من الدلتا مقرا لهم ، وكان أحمس يسكن ويحكم من طيبة – مصر العليا ، أنفذ عدة حملات عسكرية على معاقل الهكسوس في الشمال ، استكمالا لمعارك التحرير التي كان قد بدأها الملك الأب "سقنن رع" وأستأنفها من بعده ولده الملك "كامس" وجاء الدور على أحمس أبن التاسعة عشر ربيعا ليُكمل المشوار الشاق.
وفي رحلته النيلية من الجنوب إلى الشمال ، مر ببلاد الأشمونين وهي من أعمال المنيا ألان ، مجرد قرية صغيرة بها بعض الأماكن الأثرية الفرعونية ، أما قديما فكانت الأشمونين إقليما من أقاليم مصر الأربعة عشر القديمة أي "محافظة" تحل محل محافظة المنيا الآن ، كما كانت "القوصية" وهي مدينة من مدن محافظة أسيوط الآن إقليما من الأقاليم تحل محل محافظة أسيوط طولا وعرضا.
نقول: مر أحمس بمحافظة الأشمونين إن صحّ التعبير وبحكم ذاك الزمان ، فتوقف ليتزود بالمؤن والعتاد ، فنزل على المعابد المقامة على ضفة النيل الشرقية ، واجتمع بالكهنة الموجدين ، فاقترح عليه أحدهم أن يصنع له طعاما يتوفر فيه:
أولا: خفيف الوزن حتى يسهل حمله
ثانيا: لا يصيبه التلف "السوس" وخلافه لطول فترة السفر
ثالثا: يأكله الإنسان والحيوان
ولما كانت الأماكن المذكورة مروجا وأنهارا وكانا القمح والشعير عاملين رئيسيين ومحصولين أساسيين ، كانت ورشة العمل الخاصة بالقوات المسلحة الفرعونية مقرها الصحراء الغربية قبالة الأشمونين وهي منطقة "تونا الجبل" والبدرمان ودلجا أو "دلجة" كما ذكرها "المقريزي" ، لأن المزارع الخضراء حينئذ كانت شرقي النيل من تل العمارنة جنوبا إلى جبل الطير شمالا ، وكانت هذه المساحة بالكلية هي حدود إقليم الأشمونين !

لا ندري إن كانت الأسطورة التي حصلت عليها هذه صحيحة أم باطلة ، ولكن وإن كان الذين توصلوا لحل رموز الأحجار القديمة والشهيرة جدا أمثال "حجر رشيد" الشامخ ، ومن علماء الحفريات والفرعونيات الآن من يقول: أن معظم التراجم التي توصلوا إليها منذ زمن بعيد ، ومن هؤلاء العلماء الدكتور "وسيم السيسي" حادت عن الحقيقة كل الحيدة ! وقالوا بأن المصري القديم كان موحدا لله الخالق والذي هو في السماء ، ولم يكن وثنيا كما صوروه لنا ، وأن هناك لوحة منحوتة في مدخل معبد الكرنك تصور الجنة والنار وبينهما خيط رفيع يرمز للصراط المستقيم الذي ذكره الله في كتابة الكريم ، فإن كان الشك يُفسر لصالح المتهم كما ذكر القانون ، فإن الشك في صحة المعلومات التي ذكرت من مئات السنين عن الفراعنة تفسر لصالحي إن اتهمني البعض بالحياد أو الخطأ.

ومهما كانت دقة الرواية أو فهاهتها فإن الكشك برغم هذا يبقى السر الأكبر بين جميع المأكولات الصيفية ، ويبقى لغزا محيرا للباحثين ! 
____________________

مصطفى كامل زلوم

      
 

الجزيرة بث مباشر

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More