من
القديم وعُنيَ الإنسانُ بالأدبِ ،، وعلى مرِ العصورِ ،، تاقتْ نفسهُ
دائماً لمُلامسةِ الحروفِ ،، والتغني بالكلماتِ ،، سافرَ عَبرَ الكلمة إلى
سماواتٍ بعيداتٍ ،، وأرتحلَ الألفاظَ ،، وترنَّمَ بالعَبَرات ،، خاطبَ
القمر والشجر ،، رقَّ للبحر والنهر ،، ورسمَ بكلماتهِ خارطةََ طريقٍ لمسار
البشريةَ كُلها ،، عانقَ الليل وجفاهُ ،، خاصمَ الوجدَ وحاباهُ ،، عشقَ
الدموعَ ،، وأحبَ السُهدِ وهجاهُ ،، تألم بالكلمة ،، وفرح بالكلمة ،، بكى
بالكلمة ،، وغنى بالكلمة ،، صحَّحَ الكلمةَ ،، فصارتْ عنوانَ أمةٍ ،،
وأختزلَ الأمةَ في كلمةٍ ،، حتى أمسى تراثنا الأدبي ،، زُخراً لا يُستهان
،، وخطَ بيانٍ ،، لمن أراد أن يُعملَ البنان ،، في شهدِ اللسان ،، وبرزَتْ
على مرِ السنونِ أعلاماً ،، غزت القلوبَ !! ورفعتْ أعلامَ الأدبِ على كوكبِ
الأرض ،، ولا زالتْ كلماتُهم تدفعُنا دفعاً إلى المعالي ،، ولا زالتْ
أصداءُ معانِيهم تُعْطِينا الطاقةَ للرقي ببياننا ،، وتختلجُ مع أرواحنا
وأنفاسنا ،، وتجري في دمائنا ،، هؤلاء هم الأدباء ،، مُحبي الأدبَ ،،
وأيضاً مُحبي التأدُبَ ،، فكمَ كانوا أُدباء ،، كانوا أيضاً مؤدبونَ ،،
يخجلونَ من كلمةِ إطراء ،، وتموجُ بهم الأرضَ من جملةَ مديحٍ ،، لذا
عمَّروا قروناً وأجيالاً ،، وتوارثنا كابراً عن كابرٍ حكمهمُ البليغةَ
وحروفهم النورانيةَ ،، فأمسوا وأصبحوا وما انفكوا عنوان حضارتنا وفرسان
ساحتنا.
ثمَّ
خلفَ من بعدهمِ خلفٌ أضاعوا الأدبَ ،، وانتهجوا "قلةََ الأدبِ" لهم هامات
عاليات ،، إن تراهم تُعجِبُكَ أجسامهم ،، وإن يقولوا تسمع لقولهم ،، لكن
وأسفاه ،، مُجردَ خُشبٌ مُسندةٍ ،، تغتَرُ كثيراً للفظهم ،، وتهيمُ ثملاً
لحرفهم ،، وهم أبواقُ عُهرٍ ومزاميرُ زيفٍ ومرايا ضلال ،، ثمَّ أنحدر
الصاعدُ في النازل ،، ففُقدَ السامق والشامخ ،، وأزداد الوضيعُ وضاعةً ،،
وأنبرَ التافهَ ،، حينَ أعتلى المِنبرَ آخرونَ ،، ليسوا بأدباءَ ،، ولا
مُؤدبون ،، بل فقط شهوانيُّونَ ،، كلُ ما يبحثونَ عنهُ هو إشباعُ الرغباتِ
،، وإثراء الملذاتِ ،، إن كان حلالاً أو حراماً فليس لهذا موضعَ تفكير !!
ولن يُعطونهُ شهيقاً أو زفير ،، ومع الثورة التكنولوجية الجُهنميةَ ،،
ودوران عجلة التقدم ،، بسرعة مليار كيلو متر في الثانية ،، وجدنا أنفسنا
على حينِ غرةٍ ،، في ظلماتِ بحر لُجيٌّ ،، يغشانا موجٌ من فوقهِ موجٌ من
فوقهِ سحاب ،، حتى لو أننا أخرجنا أيدينا وأردنا كتابةَ كلمة طيبة ،، لن
نراها ،، بعدما فقدنا أيدينا إلى المعاصم ،، وتقاذفتنا رياحٌ قواصم ،، فلقد
أصبحت الكلمة مكفولةً للجميع ،، من يستطيع الكتابةَ ومن لا يستطيع ،، من
يعرفُ حروفَ الأبجديةِ ومن ليس بخبرها سميع ،، ويا لها من مُفارقةٍ تُدمي
القلوبَ وتُثيرُ الشجونَ وتُجري دمعَ العُيون ،، أن تجدَ نفسكَ تنتظرُ
المعلومةَ من الأدعياء ،، وتستجدي اللفظَ من الأغبياء ،، وتطلبُ الحكمةَ من
الخُبثاء ،، وتُنشدُ الفضيلةَ عند اللُقطاء ،، يا لها من مُفارقةٍ أن تجدَ
نفسكَ تلميذَ الأطفال ،، وطالبَ علمٍ من أهلِ الانحلال ،، وخادمَ أعلامَ
الفسقِ والضلال ،، وزميلاً لعُتاة الخبال ،، حينها ستعلمُ حجم المُصيبةَ إن
كُنتَ لها مُعاين ،، وستبكي حتماً على الأطلال.
قالوا قديماً "فاقدُ الشيء لا يُعطيهِ" فكيفَ لأعمى أن يقودَ بصير ؟! وكيفَ لنذلٍ أن يمسي مُجير ؟! وكيف للفهيهٍ أن يَطَالَ جرير ؟! وكيفَ لـ "رويبضة" أن يُستأمن على أمرٍ خطير !! وقالوا أيضاً "ليس كل ما يبرُقُ ذهباً" فهناكَ معادنَ كثيرةً تبرُقُ أكثرَ من الذهب ،، لكنها سُرعانَ ما تصدأ ،، سُرعانَ ما تأكلها الأرض ،، أما الذهب فيبقى أبداً لا يطالهُ خبثٌ ،، ولا تأكلهِ أرضٌ ،، ولذلكَ دامَتْ كلماتُ الأدباءِ ،، براقةً إلى الآن ،، ولن يقدح فيها إنسان أياً ما كان ،، وذهبتَ كلمات ،، كُنَّا نظُنها باقياتٌ صالحات ،، لكنَّهُنَّ عاهراتٌ ،، مائلاتٌ مميلاتٌ شعورهنَّ ،، كأسنمةِ البُختِ المائلة ،، فإليهِنَّ كلٌ مُستقذر ،، وعليهِنَّ اللعناتُ الصاخِبات ،، أما المُعضلةَ ،، وجُلُّ المُشكلةَ ،، تكمنُ في ،، وماذا بعد ؟؟ إن كانت المعادنُ قد اختلطت !! والمياهُ قد أمزجتْ ،، وأمسى الصالحُ في كنفِ الطالح !! وأنزو النضيرُ في دربِ الهشيم !! ماذا بعد ،، إن لم يكن لدينا برزخاً ،، ولا نقوى على حجرٍ محجوراً .
هُنا تكونُ الإجابة ذاتِ وجهٍ واحد ،، ولا يوجد ثمةَ تخيير !! وهي أن يلزم كُلٌ مِنَّا نفسهُ هذا إن لم يسعهُ أهله وبيته ،، يلزم كُلٌ منَّا ذاتهُ يتقوقعُ عليها ،، إلى أن ينجلي الأمرُ ،، لا تحسبوني بقولي هذا مُتشائمٌ ،، إنما والله قريبٌ مُعاينٌ ،، ولذا علمتُ حجمَ المُصيبة ،، وتجرعتُ الهزيمة ،، عندما لم أجد حلاً ،، وللهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعد.
___________
بقلم - مصطفى كامل زلوم







0 التعليقات:
إضغط هنا لإضافة تعليق
إرسال تعليق
Blogger Widgets