منشورات المدونة

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

متى نُطبق الشريعة الإسلامية ؟


من البديهي أن لكل بناء قاعدة يقوم عليها ,, ولكل صرح جذر قوي يمتد في باطن الأرض ,, ولابد للأرض أن تكون صلبة حتى يستقيم البناء ,, ويرتفع الصرح ,, فليس من الفن أن نبني بنياناً على رمل زاحف ,, ولا تربة هشة ,, ولمَّا كانَ الدينُ هو عماد الحياة ,, و"جواز سفر" الآخرة ,, كان لابد من بناءهِ على أساسٍ سليم ,, لا يأتيهِ الخطر من بين يديه ولا من خلفهِ ,, وإن كانَ الدينُ بناءاً ,, فالتربة التي سوف نقيم عليها هذا البناء , هي (المجتمع) ولابد لهذا المجتمع من التماسك , والصلابة حتى نضمنَ بقاء البناء واستمرارهِ السرمدي .
أقول مقدمتي هذه لتلكمُ القلوب البيضاء , ناصعة البياض ! , وإلى الذين جندوا أنفسهم في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية , وهذا عمل سوف يؤجرون عليهِ , هذا أمرٌ مُسلمٌ بهِ , أما السؤال الهام (متى نطبق الشريعة الإسلامية ؟!) أو لو أردنا صياغة السؤال بطريقةٍ أخرى أو لو أردنا "تفصيل" السؤال على مقاسِنا نحنُ المصريين دون غيرنا قلنا (هل من الممكن تطبيق الشريعة الإسلامية الآن

والإجابة من وجهة نظري الخاصة هي (لا) ولكن ليست (لا) النافية الأبدية , إنما (لا) المؤجلِة " مع احترامي وتقديري لمدرسي اللغة العربية" حيثُ لا توجد (لا) مؤجِلة , لكن ما أردتُ أن أقولهُ واللهُ من وراء القصد , أن المجتمع الشبهَ إسلامي هذا ليس هو التربة الصالحة لزراعةِ الشريعة الآن , أو ليس هو التربة الصلبة لقيام البنيان , ففي ظل التركيبة المجتمعية الحديثة , سوف تتحول الفكرة إلى وهم لا إلى واقع معاش , فنحنُ ومع الآسف الشديد نعيشُ هذه الأيام , ومنذ إن هوت دولةِ الإسلام على يدِ العلمانية البغيضة الزاحفة علينا , ما يسمى بالـ "جاهلية الثانية" ولو سألتني وما تكون الجاهلية الثانية ؟ أقول هي رديفٌ للجاهلية الأولى والتي كانت منتشرة قبل بزوغ فجر الإسلام الأول مع رعيلهِ الرائد , عصر النبوة وما تبعهُ من العصور الذهبية , فلقد عاد المجتمع "المتمسلم" إلى ما يشبهُ العصر الأول , وفي هذه الحالة لابد لنا من دعوة إسلامية رائدة , تنجو بالمجتمع من مستنقع الضلال , وتعود به إلى العصر الإسلامي
والمتأمل في التاريخ الإسلامي , يجد أن الرسولَ صلَّ الله عليهِ وسلم , عندما واجه الجاهلية المنتشرة في العصر الأول , بدأ بالدعوة إلى الله أولاً , على خلفية عقدية ثابتة , فكانت دعوتهُ صلَّ الله عليهِ وسلم بمكة , تقتصر على إثراء الروح العقدية قبل التطبيق العملي للدين , فبدأ بالصلاة , وحتى هي الأخرى لم تطبق كاملة كما نعرفها الآن , بل كانت صلاة رمزية قصيرة من حيث المظهر , عميقةً من حيثُ المضمون , ثم تبعها ما تبعها من فروض , حتى اكتملت المنظومة ,ولو أنكَ قارئٌ للقرآءن سوف تجد فرقاً كبيراً بين القرآءن المكي والمدني , فستجد أن القرآءن المكي كان قاصراً على العقيدة والتوحيد بالأساس , ثم أنتقل المنهج بكل متغيراتهِ وثوابتهِ إلى التقنين والتجريم , من خلال منهج أفعل ولا تفعل , وهذا موجودٌ في القرآءن المدني , حيث الأحكام والقوانين , فلم نسمع عن سارق قطعت يدهُ بمكة , أو قاتل قتل , أو زانٍ رجم أو جلد , بينما كان ذلك كذالك , لمَّا تم تدشين الدولة الإسلامية المتكاملة بالمدنية , وظهر المجتمع الديني الفتي ,
فدائما البناء يبدأ من القاعدة ثم يمتدُ إلى عنان السماء وليس العكس , أما في عصرنا هذا , والذي يشبهُ إلى حدٍ كبير العصر الجاهلي الأول , فلابد من بناء المجتمع المسلم لا المتمسلم , حتى يتم إقامة الصرح على أساسٍ ثابتٍ قوي .
ولهذا أردت أن أقول: إنَّ التطبيق الشرعي الآن لو أنهُ أتانا من أعلى دون القاعدة , فسوف يتحولُ إلى دعوة "ديكتاتورية" سوف تُحارب من جهاتٍ عدة , خاصة أبواق الليبرالية المتربصة (!!) هذا لأنَّ المجتمع لم يُعدُّ بعد لتقبل التطبيق السماوي , أعطيك مثال
هل تأممن على مجتمع يعجُ بصنوفِ الأمراض الاجتماعية "من كذب لبيع ذمم لنفاق لإنحطاط خلقي ظاهر" أن تقيم فيه قانون يرتكز بالمقام الأول على الصدق مع النفس , والإخلاص مع الضمير ؟! أليس من الوارد أن أقدم مبلغاً كبيراً "رشوة" لشاهدي زور حتى يشهدوا على بريء بأنهُ قاتل فيقتل , أو أنهُ زانٍ فيرجم !! وقس على هذا .
لستُ هنا مناهضاً لحكم الله والذي ارتضاهُ لعبادهِ , ولعن من يحيدُ عنهُ , قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة (44)
لكني أردتُ فقط أن أصلَ بكَ إلى قناعةٍ بأن المُطبق للتشريع الديني لابد أن يأخذ المنهاج لا المنهج , المنهاج الأشمل الأعم , في طريقة البناء المجتمعي من البداية إلى النهاية , أو من القاعدة إلى القمة , على دربِ النبي صلوات الله وسلامه عليه .
وهنا وبعد هذا السردِ , "وإن كنتُ أستميحكم عذراً على الإطالة" , يبرز دورُ المصلحين الصادقين , والدعاة المستنيرين , والذين كُممت أفواههم في السابق , لا لجريرةٍ سوى لأنهم ربانيون , أقول لهم: إن المرتع الآن خصيب !! , والجو صحو , ولا قيدَ عليكم , (أدعو إلى سبيل ربك) , هيئوا لنا المجتمع أولاً , ثم يكون التطبيق.

 ______________


 بقلم - مصطفى كامل زلوم 

1 التعليقات:

لا اوافقك الرأى وهل كان المجتمع الجاهلى حينما طبقت فيه تعاليم الاسلام كان اكثر تأهيلا من الان

إضغط هنا لإضافة تعليق

إرسال تعليق

Blogger Widgets

الجزيرة بث مباشر

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More