| زين العابدين بن علي |
في جو "دراماتيكي" مُتلاحق يُعلن تليفزيون الجزيرة مفاجئة كبرى – رحيلُ الرئيس التونسي (زين العابدين بن علي) على خلفية حركة احتجاجات كبيرة وتوترات شعبية طالت كل مدن ومحافظات (ولايات) الجمهورية التونسية – بدأها (محمد البو عزيزي) حينما أشعل في نفسه النار في (سيدي بوزيد) كانت شرارة أشعلت النار وأثارت الغُبار والذي غطى الأفقَ وحجبَ الرؤية عن عين المُراقب – سيناريو عجيب وسريع لم يسطع أحد أن يتوقع نهايتهُ – وجاءت النهاية معاندةً ومخالفةً لكل التوقعات – في ثواني يُعلن الإعلام بكل (وكالاتهِ) عن رحيل الرئيس عن البلاد , بمعاونة ليبية !! وتُحلق الطائرة في جو المجهول , في البداية , يُعلنُ عن أن وجهتها (فرنسا) ثم يُكذب (ساركوزي) الرئيس الفرنسي الخبر ,, مُعلناً أنهُ داعم لإرادة الشعب التونسي !! ثم يُعلنُ عن أنّ وجهتها (إيطاليا) ثم أيضاً يُكذب الخبر !! وفي النهاية تستقر الطائرة في "بيت العيلة" – السعودية , تهبط الطائرة البائسة في مطار (جِدة) ويصرح مسؤال من البلاط الملكي في بيان رسمي (إن الحكومة السعودية تُرحب بقدوم طائرة فخامة الرئيس التونسي – زين العابدين بن علي ) وليس الرئيس السابق أو المخلوع بدعوى أنه>> (بن علي) لا يزالُ رئيساً شرعياً لتونس , حيث أنهُ لم يُقدم استقالته حتى الآن !! ماذا يدور من حولنا ؟! هناك دوائر مفقودة في هذا السيناريو الدرامي , والذي بدأ دامياً , وانتهى لاجئاً !!
ننتقل إلى مشهد أخر من مشاهد المسلسل ,, إنها زيارة الرئيس الأمريكي الجديد (اوباما) إلى مصر بعد توليهِ مقاليد الحكم في البيت الأبيض , وفي خطابهِ الجامع "والذي استمر خمسين دقيقة" , يُلقي اوباما الضوء على فترة سلفهِ (بوش) ويوجه انتقادات خفية مغلفه , خاصة الجانب الدموي فيها , ويذكر كلمة بسيطة ربما مرت بالكثيرين , لكنها حتماً لم ولن تمر على مُراقب مُهتم , يذكر الرئيس الأمريكي الأسود خط سياستهِ الجديدة وجانباً من أجندتهِ المنشودة – فيمرر كلمة (القوى الناعمة) أو (soft power) في ذكاء ومكر بالغين , لقد وقفتُ كثيراً أمام هذه الكلمة المعجزة , وتساءلت , ماذا تعني هذه الكلمة في (أيدلوجية) السياسة الأمريكية , لقد اعتدنا على القوة الغاشمة من أمريكا !! فما هذه القوة الجديدة ؟! ولمّا هي ناعمة ! فكيف تكون قوة ؟! وهل نخاف منها أم نباركها ؟! كل هذه الأسئلة دارت بخلدي وأنا أتابع كلمة الرئيس اوباما , في جامعة القاهرة , ولقد جاوب الرئيس عن كل تساؤلاتي , عندما خرج بن علي سالماً غيرُ غانماً من بين ألسنة النيران والتي أشعلها قبل رحيله ولم تصبه بأذى!
المشهد الثالث من مشاهد المسلسل هو صورة صدام حسين وهو يتأرجح في المشنقة صباح يوم عيد الأضحى , وكأنهُ أضحية ذبحها بوش قائلاً : "هذا عن جورج بوش وأهل بيتهِ" هذا المشهد يوضح عكس القوة الناعمة , إنهُ وجه أمريكا القديم , أما وجهها الجديد فهو (لئيم) والفرق بين الأسلوبين كالفارق بين البشرتين , بشرة اوباما وبشرة بوش , صدام حسين كان طاغية , هذا لا شك فيه ولا مِراء , ولمّا خَطَتْ قدماهُ (طبلية) المشنقة , تحول إلى زعيم وبطل !! وتحول قاتلهُ (بوش) إلى (تنين) يبتلعُ الأطفال ! فكان لابد من وجهٍ آخر لشكل الجلاد وبنيتهِ ,, وفي هذه المرة لن يُقذف الجلاد بالحذاء في (تونس !) كما فُعل بسابقهِ في (العراق !) ,, سيقولُ البعض : أني أريد أن أقول أن خلع بن علي كان بمخططٍ أمريكي !! وربما تشدق البعضُ الآخر بالدور البطولي للشعب التونسي ! وعندها سأقول : إن البداية كانت شعبية (اعتباطية) وغيرُ مُعدة , ولكن الشاطر هو من يستغلُ الأحداثَ , ولا يوجد أشطر من الولايات المتحدة الأمريكية وسياستها ! لقد كان بن علي يد أمريكا الحديدية على الإسلاميين في تونس ! كما كان المأسوف على شبابهِ >> (مهيب الركن) تماماً ذراعها في المنطقة , وجنديها المُخلص !! وانتهى دورهُ إلى الأبد , لتبدأ المنطقةَ العربيةَ عصراً جديداً وهو عصر "اللعب ع المكشوف" ,, ولقد جاء الدور على هذا الطاغية (بن علي) فكانت الفرصة التي لا تُعوض ! لو كان بن علي وحكومتهُ يزينونَ عند أمريكا (جناح) بعوضةٍ لتدخلت بكل قوةٍ ! ولحَمتْ حكومة شرعية تنهارُ أمام عينيها ,,
نأتي إلى البيان الرسمي السعودي (غامض !) الفحوى !! ولقد رأيتُها إشارةً خفيةً لـ (محمد الغنوشي) رئيس الوزراء والوزير الأول سابقاً والرئيس الحالي أو المؤقت (الإنتقالي) لتونس !! أن أمضي في حال حكم البلاد وأنفرد بالحكم "فإنّ بن علي لا يزالُ رئيساً للبلاد , أنفلت من عقالكَ واحكم وإلا أعدناهُ مرة أخرى إلى تونس مُعززا مُكرماً" ,, وكان الرجل بالذكاء الذي جعلهُ يُصرحُ لقناة الجزيرة أنّ بن علي لا يزالُ الرئيس الشرعي لتونس طالما لم يُقدم استقالة رسميه !! شتانَ بينَ النهايتين – وشتان بين السياستين , برغم أنهما يخرجانِ من (مشكاة !) واحده , أما النتائج فتماثلة أو متطابقة , وهي - إنهاء حكم الأباطرة في بلاد العرب على يد أمريكا , هذا هو السبب المُعلن ,, وما خفي كان أعظم !!
فترى الدور على من !!
_____________
بقلم - مصطفى كامل زلوم
تم النشر بتاريخ 15 / يناير 2011






0 التعليقات:
إضغط هنا لإضافة تعليق
إرسال تعليق
Blogger Widgets