منشورات المدونة

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

العالم الحي .. و .. العالم الميت !!




إنَّ من علامات تقدم الأمم ،، النظم الحاكمة لهذه الأمم ،، وطريقة تعاطيها مع من يرئسونها ويديرون مصالحها ،، فالدول "الجمهوريات" ،، والتي يحكمها رئيسٌ مُنتخب ،، حينما تكونُ على دراية دستورية تعرف جيداً حدود هذا الرجل ،، وإمكاناتهِ ومعطياتهِ والمطلوب منهُ ،، ولذلك تجد تبادل السلطة في هذه البلاد يتمُ بطريقة سلسلة لا غبار عليها ،، فالحزب الناجح في الانتخابات "النزيهة" هو من يتولى الحكم ،، وهو من يذهب للقصر الجمهوري الحاكم ،، وهو من يدلف رجالهِ ردهات ودواوين الوزارات ،، ومكاتب الوزراء ،، أما الحزب الثاني أو الأحزاب الأخرى والتي لم يُحالفها الحظ ،، لا ترجع إلى المنازل تتابع "ماتشات" الكرة أو مسلسل الساعة الثامنة والربع مساءً ،، كلا – بل يذهب الحزب الغير موفق بسرعة إلى "الميكروسكوب" السياسي أو إلى المجلس النيابي ليتابع أداء الحكومة الجديدة والتي كانت خصم لهُ ولا تزال ،، والأمرُ لا يختلف كثيراً بين الجمهوريات والملكيات ،، ففي المملكة يكون الحزب الناجح في الانتخابات هو الحزب الحاكم أيضاً ،، ولكن عن طريق رئيس الوزراء وليس رئيس جمهورية !! وتدور الدائرة "دواليك" كل دورة يرتقي حزب وينخفض آخر ،، ولا الناجح يتجبر ،، ولا الراسب ينتحر !! بل كلٌ يعمل في موقعهِ الجديد ،، سواء كان حاكماً أو مُعارضاً.
ليست هذه أضغاثُ أحلام ولستم للرؤيا تعبرون ،، كلا واللهِ إنما هي أنظمة لازالت تحكم إلى الآن ،، ولازالت تحييا ليومنا هذا ،، وليست والله نكتة مصرية أو قصة إغريقية أسطورية ،، ولكنها حقيقة اغلب دول العالم الحي !! ولن أسميهُ عالم أول وعالم ثاني وعالم ثالث ،، لا – بل أقول "عالم حي وعالم آخر ميت !!
وإليكم نماذج من العالم الحي " ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية ،، جاء تشرشل ذلك العجوز ذو القبعة الكبيرة والسيجار الشهير إلى السلطة عام 1940م بعدما تم أخياره رئيساً للحكومة ،، خاض تشرشل الحرب العالمية الثانية بحنكة وذكاء لا مثيل لهما ،، وأستطاع أن يهزم دول المحور أي "ألمانيا – إيطاليا – النمسا - بلغاريا – رومانيا - المجر- اليابان" ويصل ليس بإنجلترا فقط بل بكل دول الحلفاء إلى بر الأمان ،، دول الحلفاء "أمريكا – الإتحاد السوفيتي – بريطانيا – فرنسا - صربيا" وانتهت الحرب عام 1945م ويجوب الزعيم تشرشل شوارع لندن وعلى رأسهِ "أكليل الغار" في موكب الفاتحين ،، ثم يخوض الانتخابات على رأس حزبهِ "المحافظين" ولا يُوفق الحزب في الوصول للسلطة بل يرتقي حزب "العمال" على حساب تشرشل وحزبهِ ،، فيعود تشرشل للبيت ،، وينهمك في هواياتهِ ،، فقد كان يهوى الرسم والكتابة ،، فدشن كتابه الضخم "الحرب العالمية الثانية" في ستة أجزاء كبار ،، كما قام بعرض لوحاته الفنية في معرض الأكاديمية الملكية.

وفي استفتاء لجريدة "صندي تلجراف" حول رأي الشارع الإنجليزي في سقوط حزب المحافظين أو سقوط تشرشل الزعيم والبطل ،، كان رد الناس "أنَّ تشرشل رجل مرحلة ولت وانتهت وهي مرحلة الحرب ،، أما مرحلة ما بعد الحرب ،، وهي مرحلة البناء ،، فيلزمها أناس آخرين ورجال جدد"
وفي عام 1951م يعود "تشرشل" مرة أخرى للحكم ،، عندما تواجه المملكة المتحدة أزمة جديدة كان من وجهة نظر أصحاب العقد هناك أنها لا تقلُ ضراوةً عن الحرب العالمية ،، وهي ازدياد نفوذ الشيوعيون داخل مجلس العموم ،، وتخاذل حزب العمال أمامهم ،، فكان لابد من رجل قوي على رأس حكومة قوية للتصدي للزحف الأحمر !! فكان تشرشل مرة أخرى ،، والذي استمر في الحكم إلى أن قدم استقالته يوم عيد ميلاده الثمانين عام 1955م هذه صفحة من حياة رجل دولة من الطراز الأول ،، النموذج الثاني "شارل ديجول" الزعيم الفرنسي الكبير والذي ترقى في الرتب العسكرية من عام 1936 إلى عام 1943 أي أثناء الحرب العالمية الثانية حيث شغل وزيراً للدفاع ،، وبعد احتلال ألمانيا لفرنسا هرب "ديجول" إلى منفاه الاختياري "بريطانيا" ومنها قاد الثورة داخل فرنسا ،، من خلال "حكومة فرنسا الحرة" وأذاع بيانه الشهير من هيئة الإذاعة البريطانية ،، عمل الرجل بكل طاقاتهِ وإمكاناته حتى تم النصر لدول الحلفاء ،، ويندحر المحور ،، ويجلوا الألمان عن فرنسا ،، ويعود البطل المُظفر ،، ويحاول تأسيس حزب يحمل أسمهُ وفكرهُ ولكن لا يُوفق ،، بينما يُنتخب رئيساً للجمهورية الفرنسية إلى أن يقدم استقالته بنفسهِ عام 1969م وكأنه قد عرف أنّ الرحيل قد أقترب ،، فيموت في عام 1970م .
هذان نموذجان من حكام العالم الحي ،، ننتقل إلى عالم الأموات !! ،، أو دول العالم الميت ،، رئيس يموت فجأة فيتم فبركة القانون وتفصيلهِ على مقاس أبنهُ وكأن الدنيا قد خلت من الكفاءات ،، الوالد حكم خمسة وعشرون سنةً ،، ومن المؤكد أنَّ ولده سوف يحكم خمسة وستين ،، رئيس آخر يحكم بلد من ثلاثة وأربعون سنةً ،، وحينما فكر شعبهِ في الثورة السلمية ،، توعدهم بالتقتيل من "زنقة" إلى زنقة ،، ووصفهم بالجرذان والمخمورين ،، ملك يسمح لقوات بلاد مجاوره أن تقتحم حرم بلادهِ وتصلَ إلى ميدانهِ لتقمع الثوار المسالمين ،، وملك آخر يقيم القانون على أبناء الوطن فقط أما هو وأقربائهِ فلا ،، ورئيس يحكم بلد ثلاثون سنةً سوداء حالكة السواد ،، ويخطط أن يورث أبنهِ من بعدهِ ،، وينهب ثروات البلاد ،، وتعب العباد ،، ويُهلك الحرث والنسل ،، وعندما يثور عليهِ أبناء بلده يرميهم بالرصاص الحي ،، ثم لما يطالب الموتورون بمحاكمتهِ ،، يعلو صوت آخرين في أحدى الميادين ،، يطالب بالعفو والغفران ،، لأن الرجل في سن والدنا ،، وأنهُ قد بلغ من العمر أرذلهِ ،، يا للمهانة ،، إن الزعيم العظيم "تشرشل" خسر الانتخابات ليس لجريرة ،، بل سعياً للوصول للأحسن ،، وطموحاً في القادم !! ونحنُ نبكي قاتل غاصب ،، لا يستطيع "ديجول" أن يؤسس حزب في بلد قادها وهو في المنفى ،، ويؤسس رؤساء العالم الميت آلاف الأحزاب بجرة قلم واحدة ،، بل ويجدون من يؤيد هذه الأحزاب المكذوبة ،، ويصفق لها ويهتف بملء الحناجر ،، يرفض حفيد بيكاسو أن يذهب للملكة "إليزابيث" الثانية ليرسمها ،، ويتعلل بأنَّ الفن لا يسعى للملوك ولكن الملوك هم من يسعون للفن ،، ويُصرُ على موقفهِ عشرة أعوام إلى أن تنزل الملكة على رغبتهِ وتذهب بموكبها وصولجانها إلى مرسمهِ ،، ويطنطن لدينا آلاف الفنانين والفنانات ببطولة واهية وهم يعلمون جيداً أنها مكذوبة ،، وكانوا أحياء يومَ أن صنعت الكذبة وطهيت على نار هادئة ،، يؤخذ مشترى الملكة إليزابيث رهن إلى أن تدفع باقي ثمنهِ في احد المتاجر في "الرفيرا" بفرنسا حينما نقص النقد معها عن قيمة ما أشترت ،، وتترك الملكة المتاع وتذهب إلى محل إقامتها وترسل مع سائقها باقي المبلغ وتسترد باقي مشترياتها ،، ولا يقدم مدير المتجر للإعدام ،، ولا يذهب لأمن الدولة ولا أي شيء ،، ويضع لدينا أقرباء الوزراء من الدرجة الخامسة عشر أيديهم على أموال الدولة وأراضيها ومشاريعها وحقولها ،، وباقي الشعب يجلس في "الترسو"
أي مهانة تلك ؟! لا أقصد بالمهانة من فعل كل هذا ،، لا والله ،، إنما أقصد بالمهانة من لا يزالون يدافعون عن المخطأ ،، ويسوقون الأعذار ،، مرة كان مُغيب ومرة كان مريض ،، وكلها سخافات ،، فتشرشل قدمَ استقالتهِ ،، وديجول قدمَ استقالتهِ ،، ومانديلا البطل الأفريقي العظيم قدمَ استقالتهِ ،، وكل شرفاء العالم يتوارون إلى الظل عندما يرون في أنفسهم ثمة تعبٍ قد يُفضي إلى تقصير في الواجب الذي أنيط بهم ،، أما نحن ورؤسائنا فما أعجب حالنا ،، وإلى أن تقوم الساعة ويُنصبُ الميزان ،، والعالمان لن يتساويان ،، العالم الحي ،، والعالم الميت ،، والذي تحللت جثتهِ وخارت عظمتهِ وأصبح رفاتاً وغداً رماد ثم لا شيء .
______________

بقلم / مصطفى كامل زلوّم

0 التعليقات:

إضغط هنا لإضافة تعليق

إرسال تعليق

Blogger Widgets

الجزيرة بث مباشر

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More